- ٦٤ - أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ عالم الغيب والشهادة وَهُوَ عَالِمٌ بِمَا الْعِبَادُ عَامِلُونَ فِي سِرِّهِمْ وَجَهْرِهِمْ فَقَالَ: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، وقد لِلتَّحْقِيقِ، كَمَا قَالَ قَبْلَهَا قَدْ يَعْلَمِ اللَّهُ الذين يتسللو مِنْكُمْ لِوَاذًا، وَقَالَ تَعَالَى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المعوقين منكم الآية، فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بقد، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي هوعالم بِهِ مُشَاهِدٌ لَهُ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذرة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ، وَقَالَ تَعَالَى: أَفَمَن هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ أَيْ هُوَ شَهِيدٌ عَلَى عِبَادِهِ بِمَا هُمْ فاعلون من خير وشر، وَقَالَ تَعَالَى: سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ الآية. وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَوْلُهُ: وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ أي ويوم يرجع الْخَلَائِقُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أَيْ يُخْبِّرُهُمْ بِمَا فَعَلُوا فِي الدُّنْيَا مِنْ جَلِيلٍ وَحَقِيرٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ، وَقَالَ: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، ولهذا قال ههنا: وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ وَالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي بن الشيخ جميل الصابوني الحلبي