أي: فليحذر ويجتنب الذين يخالفون أمره تعالى، ويعرضون عن طاعة رسوله - ﷺ - من أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أي: محنة وبلية في الدنيا، إما في البدن أو في المال، أو في الولد، كالمرض والقتل والهلاك وتسلط السلطان الجائر عليهم أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: شديد في الآخرة وقال بعضهم: أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أي: بلية تظهر نفاقهم أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: عاجل في الدنيا، انتهى.
وكلمة (أو) لمنع الخلو دون الجمع، واعادة الفعل صريحًا للاعتناء بالتحذير، وفي ترتيب العذابين على المخالفة، دلالة على أن الأمر للوجوب، فيجب امتثال أمره، وتحرم مخالفته.
والآية تعم كل من خالف أمر الله تعالى، وأمر رسوله - ﷺ - واستمر على التقليد، من بعد ما تبين له الهدى، وظهر له الصواب، من الخطأ، وبعد أن أقام الأدلة على أنه نور السماوات والأرض. ثم حذر كل مخالف لرسوله،
٦٤ - ثم ختم السورة ببيان أنه المالك للموجودات بأسرها، خلقًا وملكًا وتصرفًا وإيجادًا وإعدامًا، بدءًا وإعادةً، فقال: أَلَا أي: انتبهوا أيها العباد، من سنة الغفلة، واعتقدوا بقلوبكم، وقولوا بالسنتكم إِنَّ لِلَّهِ سبحانه وتعالى لا لغيره مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: جميع ما فيهما من الموجودات بأسرها خلقًا وملكًا بدءًا وإعادةً. قَدْ يقال فيها، ما قيل في السابقة آنفًا يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أيها المكلفون من الأحوال والأوضاع، التي من جملتها الموافقة والمخالفة والإخلاص والنفاق، فيجازيكم بحسب ذلك، ويعلم هنا بمعنى علم. وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ معطوف على مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَيَوْمَ مفعول به، لا ظرف؛ أي: يعلم ما أنتم عليه من الأحوال، ويعلم تحقيقًا يوم ترجعون إليه؛ أي: يوم يرد الخلائقق إليه للمجازاة، فيجازيكم فيه بما عملتم.
أو المعنى يعلم ما أنتم عليه أيها العباد، ويعلم يوم يرد المنافقون، المخالفون للأمر إليه تعالى، للجزاء والعقاب. فيرجعون من المرجع المتعدي، لا من الرجوع اللازم، والعلم بوقت وقوع الشيء، مستلزم للعلم بوقوعه على أبلغ وجه.
وقرأ الجمهور (١): يرجعون مبنيًا للمفعول. وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحاق وأبو عمرو، مبنيًا للفاعل، من الرجوع اللازم. والتفت من ضمير الخطاب في أنتم إلى ضمير الغيبة في يرجعون. ويجوز أن يكون، ما أنتم عليه خطابًا عامًا، ويكون يرجعون للمنافقين. والظاهر من السياق، أن هذا الوعيد للمنافقين، كما في "الشوكاني".
فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا؛ أي: يخبر الخلائق بما عملوا في الدنيا، فلا يعاقبهم ولا يثيبهم إلا بعد إخبارهم بما عملوا وبيانه، أو يخبر المنافقيق بما عملوا في الدنيا، من الأعمال السيئة، التي من جملتها مخالفة الأمر؛ أي (٢): يظهر لهم على رؤوس الأشهاد، ويعلمهم أي شيء شنيع عملوا في الدنيا، ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء، وعبر عن إظهاره بالتنبئة، لما بينهما من الملابسة، في أنهما سببان للعلم، تنبيهًا على أنهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه، غافلين عن سوء عاقبته، لغلبة أحكام الكثرة الخلقية الإمكانية، وآثار الأمزجة الطبيعية الحيوانية نشأتهم.
وَاللَّهُ سبحانه وتعالى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وإن كان المنافقون يجتهدون في ستر أعمالهم عن العيون، وإخفائها.
ومعنى الآية (٣): في أنه تعالى مالك السماوات والأرض، وأنه عالم بما يعمل العباد، كما قال: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١).
وقال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ثم هدد وتوعد، فقال: وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا؛ أي: ويوم يرجع الخلائق إلى ربهم
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
حين العرض والحساب، فيخبرهم بما فعلوا في الدنيا، من جليل وحقير وكبير وصغير، كما قال: يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) وقال: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.
ثم ذكر ما هو، كالدليل على ما سلف بقوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ أي: إنه سينبئهم بما عملوا في حياتهم الأولى؛ لأنه ذو علم بكل شيء، وإحاطة به، وهو موف كل عامل أمر عمله، يوم يرجعون إلى حكمه، إذ لا حَكَم يومئذٍ إلا هو.
قال بعضهم: كل ما ألهاك عن مولاك فهو دنياك، فعلى العاقل أن يقطع حبل العلاقات ويتصل بخالق البريات، ويتفكر في أمره، ويحاسب نفسه، قبل أن يجيء يوم الجزاء والمكافآت، فإن عقب هذه الحياة ممات، وهذا البقاء ليس على الدوام والثبات، وفي الأثر: ما قال الناس: "لقوم طوبى لكم إلا وقد خبأ لهم الدهر يوم سوء" قال الشاعر:
| إِنَّ اللَّيَالِيَ لَمْ تُحْسِنْ إلَى أَحَدٍ | إِلَّا أَسَاءَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ إِحْسَانِ |
| أحْسَنتَ ظَنَكَ بِالأيَّامِ إذْ حَسُنَتْ | وَلَمْ تَخفْ شَرَّ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ |
| لَا صِحَّةُ الْمَرْءِ فِيْ الدُّنْيَا تُؤَخِّرُهُ | وَلاَ يُقَدِّمُ يَوْمَا مَوْتَهُ الْوَجَعُ |
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ.
يا: حرف نداء. أي: منادى نكرة مقصودة في محل النصب، مبني على الضم. ها: حرف تنبيه. الَّذِين: صفة لأي. آمَنُوا صلة الموصول وجملة النداء مستأنفة، مسوقة لبيان حكم الاستئذان. لِيَسْتَأْذِنْكُمُ: اللام: لام صفحة رقم 449
الأمر. يستأذنكم: فعل ومفعول به، مجزوم بلام الأمر. الَّذِينَ: فاعل. والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: ملكتهم أيمانكم. وَالَّذِينَ: معطوف عليه الموصول الأول. لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. مِنْكُمْ: جار ومجرور حال من فاعل يَبْلُغُوا. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: منصوب على الظرفية الزمانية، أو على المفعولية المطلقة، فإن قدرت بمعنى: ثلاثة أوقات، فهي ظرف، وإن قدرت بمعنى: ثلاث استئذانات، فهي مفعول مطلق. مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ: جار ومجرور ومضاف إليه في محل النصب، بدل من ثلاث مرات. وَحِينَ معطوف على محل مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وهو مضاف. تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ حين. مِنَ الظَّهِيرَةِ: حال من حين؛ أي: حال كون ذلك الوقت من الظهيرة. أو متعلق بـ تَضَعُونَ. ومن بمعنى في. وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ: جار ومجرور ومضاف إليه، في محل النصب، معطوف على ما قبله، على كونه بدلًا من ثلاث مرات. ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه الأوقات ثلاث عورات. لَكُمْ: جار ومجرور، صفة لـ ثَلَاثُ؛ أي: كائنات لكم. وبالنصب، بدل من محل ما قبله. والجملة مستأنفة.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
لَيْسَ: فعل ماض ناقص. عَلَيْكُمْ: خبر لَيْسَ مقدم. وَلَا عَلَيْهِمْ: معطوف على عَلَيْكُمْ. جُنَاحٌ: اسم لَيْسَ مؤخر. بَعْدَهُنَّ: ظرف ومضاف إليه صفة لـ جُنَاحٌ. وجملة لَيْسَ في محل الرفع، صفة لـ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ؛ أي: هن ثلاث عورات، موصوفة بعدم جناح بعدهن عليكم ولا عليهم. طَوَّافُونَ: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هم طوافون عَلَيْكُمْ متعلق بـ طَوَّافُونَ. والجملة مستأنفة. بَعْضُكُمْ: مبتدأ. عَلَى بَعْضٍ: جار ومجرور خبر المبتدأ، أي: بعضكم طائف على بعض. والجملة بدل تفصيل لما قبلها. كَذَلِكَ: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. يُبَيِّنُ اللَّهُ: فعل
وفاعل. لَكُمُ: متعلق به. الْآيَاتِ: مفعول به. والجملة مستأنفة، والتقدير: ويبين الله لكم الآيات، تبيينًا كائنًا، مثل تبيين هذه الآية. وَاللَّهُ عَلِيمٌ: مبتدأ وخبر أول. حَكِيمٌ: خبر ثان، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩).
وَإِذَا الواو: استئنافية. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط. بَلَغَ الْأَطْفَالُ: فعل وفاعل. والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ إذا على كونها فعل شرط لها. والظرف متعلق بالجواب الآتي. مِنْكُمُ: حال من الْأَطْفَالُ. الْحُلُمَ: مفعول به. فَلْيَسْتَأْذِنُوا: الفاء: رابطة لجواب إذا وجوبًا. و (اللام): لام الأمر. يستأذنوا: فعل وفاعل، مجزوم بلام الأمر. والجملة جواب إذا لا محل لها من الإعراب. وجملة إذا مستأنفة، مسوقة لتقرير حكم الْأَطْفَالُ. كَمَا: الكاف حرف جر. ما: مصدرية. اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ: فعل وفاعل. مِنْ قَبْلِهِمْ: جار ومجرور صلة الموصول. والجملة الفعلية صلة ما: المصدرية. ما: مع صلتها في تأويل مصدر، مجرور بالكاف، تقديره: كاستئذان الذين قبلهم، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: فليستأذنوا استئذانًا كائنًا كاستئذان الذين من قبلهم. كَذَلِكَ: صفة لمصدر محذوف. يُبَيِّنُ اللَّهُ: فعل وفاعل. لَكُمْ: متعلق به. آيَاتِهِ: مفعول به. والجملة الفعلية مستأنفة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: جملة اسمية مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠).
وَالْقَوَاعِدُ: الواو: استئنافية. القواعد: مبتدأ. مِنَ النِّسَاءِ: حال من القواعد. اللَّاتِي: صفة لـ القواعد، لا للنساء. لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا: فعل وفاعل ومفعول به صلة الموصول. فَلَيْسَ: الفاء: رابطة الخبر بالمبتدأ لشبه المبتدأ بالشرط العموم؛ لأن الألف واللام في القواعد، موصولة
بمعنى واللاتي قعدن. لَيْسَ: فعل ماض ناقص. عَلَيْهِنَّ: خبر مقدم لـ لَيْسَ. جُنَاحٌ: اسمها مؤخر. وجملة لَيْسَ في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية مستأنفة. أَن: حرف نصب ومصدر. يَضَعْنَ: فعل وفاعل في محل النصب بـ أَن المصدرية مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث. ثِيَابَهُنَّ: مفعول به. غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ: حال من فاعل يَضَعْنَ. بِزِينَةٍ: متعلق بـ مُتَبَرِّجَاتٍ. وجملة يضعن مع أن المصدرية، في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: فليس عليهن جناح في وضعهن ثيابهن. الجار والمجرور متعلق بجناح، أو صفة له. وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ: الواو: عاطفة. أن: حرف نصب ومصدر. يَسْتَعْفِفْنَ: فعل مضارع وفاعل في محل النصب، مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة. والجملة الفعلية مع أن المصدرية، في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء. خَيْرٌ: خبره. لَهُنَّ: متعلق بخير. والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: والقواعد. فهو نظير قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ. وَاللَّهُ سَمِيعٌ: مبتدأ وخبر. عَلِيمٌ: خبر ثان. والجملة مستأنفة.
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ.
لَيْسَ: فعل ماض ناقص. عَلَى الْأَعْمَى: جار ومجرور خبر مقدم لـ لَيْسَ. حَرَجٌ: اسم لَيْسَ مؤخر. وجملة لَيْسَ مستأنفة. وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ الواو: عاطفة. لَا: زائدة. زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. عَلَى الْأَعْرَجِ معطوف على الأعمى. حَرَجٌ: معطوف على حَرَجٌ. وكذلك قوله: وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ: معطوف على قوله: عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ. وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ: جار ومجرور، خبر مقدم لمبتدأ مؤخر، محذوف معلوم من السياق، تقديره: ولا على أنفسكم حرج، والجملة مستأنفة. أَنْ تَأْكُلُوا: فعل وفاعل
منصوب بـ أَن. مِنْ بُيُوتِكُمْ: متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المصدرية، في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: في أكلكم من بيوتكم، والجار المحذوف، متعلق بالمبتدأ المحذوف، والتقدير: ولا على أنفسكم حرج في أكلكم من بيوتكم. وقوله: أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ معطوفات على بُيُوتِكُمْ ومضافة إلى ما بعدها، على كونها مجرورة بـ من.
أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
أَوْ: حرف عطف. ما: اسم موصول، في محل الجر معطوف على بُيُوتِكُمْ. مَلَكْتُمْ: فعل وفاعل. مَفَاتِحَهُ: مفعول به. والجملة صلة ما الموصولة. والعائد ضمير مفاتحه. أَوْ صَدِيقِكُمْ: معطوف على بُيُوتِكُمْ أيضًا. ولكنه على حذف مضاف، تقديره: أو بيت صديقكم. لَيْسَ: فعل ماض ناقص. عَلَيْكُمْ: خبر لَيْسَ مقدم. جُنَاحٌ: اسمها مؤخر. والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان حكم آخر، من جنس ما بين قبله، حيث كان فريق من المؤمنين كبني ليث بن عمرو، يتحرجون أن يأكلوا طعامهم منفردين، كما في "الجمل". أَنْ تَأْكُلُوا: ناصب وفعل وفاعل. جَمِيعًا: حال من فاعل تَأْكُلُوا. أَوْ أَشْتَاتًا: معطوف عليه؛ أي: حالة كونكم مجتمعين، أو متفرقين. والجملة الفعلية في تأويل مصدر، مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: في أكلكم مجتمعين أو متفرقين، الجار والمجرور متعلق بـ جُنَاحٌ. فَإِذَا دَخَلْتُمْ: الفاء استئنافية. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط. دَخَلْتُمْ بُيُوتًا: فعل وفاعل ومفعول على السعة. والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها. والظرف متعلق بالجواب الآتي. فَسَلِّمُوا: الفاء: رابطة لجواب إذا، سلموا: فعل
وفاعل. عَلَى أَنْفُسِكُمْ: متعلق به، والجملة جواب إذا: لا محل لها من الإعراب. وجملة إذا مستأنفة. تَحِيَّةً مفعول مطلق معنوي لـ سلموا منصوب به على حد قعدت جلوسًا. مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: جار ومجرور صفة أولى لتحية. مُبَارَكَةً: صفة ثانية لها. طَيِّبَةً: صفة ثالثة لها. كَذَلِكَ: صفة لمصدر محذوف. يُبَيِّنُ اللَّهُ: فعل وفاعل. لَكُمُ: متعلق به. الْآيَاتِ: مفعول به. والجملة مستأنفة. لَعَلَّكُمْ: ناصب واسمه. وجملة تَعْقِلُونَ: خبره. وجملة لعل: مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ.
إِنَّمَا: أداة حصر. الْمُؤْمِنُونَ: مبتدأ. الَّذِينَ: خبره، والجملة مستأنفة. آمَنُوا: فعل وفاعل صلة الموصول. بِاللَّهِ: متعلق به. وَرَسُولِهِ: معطوف على الجلالة. وَإِذَا: الواو: عاطفة. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. كَانُوا: فعل ناقص واسمه. مَعَهُ: ظرف ومضاف إليه خبر كان. عَلَى أَمْرٍ: متعلق بـ كان جَامِعٍ: صفة أمر. لَمْ يَذْهَبُوا: جازم وفعل وفاعل. والجملة جواب إذا. وجملة إذا معطوفة على جملة آمَنُوا على كونها صلة الموصول. حَتَّى: حرف جر وغاية. يَسْتَأْذِنُوهُ: فعل وفاعل ومفعول به، منصوب بأن مضمرة بعد حتى الجارة، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ حَتَّى الجار والمجرور متعلق بـ يَذْهَبُوا؛ أي: لم يذهبوا إلى استئذانهم الرسول.
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
إِنَّ الَّذِينَ: ناصب واسمه. يَسْتَأْذِنُونَكَ: فعل وفاعل ومفعول به، صلة الموصول أُولَئِكَ: مبتدأ. الَّذِينَ: خبره. والجملة الاسمية في محل الرفع خبر إن. وجملة إنَّ مستأنفة. يُؤْمِنُونَ: فعل وفاعل صلة الموصول. بِاللَّهِ: متعلق به. وَرَسُولِهِ: معطوف على الجلالة. فَإِذَا: الفاء: فاء
الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن المستأذنين هم الكاملون في الإيمان، وأردت بيان حكم ما إذا استأذنوك.. فأقول لك: إذا استأذنوك: إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط. اسْتَأْذَنُوكَ: فعل وفاعل ومفعول لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به. والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها. فَأْذَنْ: الفاء: رابطة لجواب إذا. إئذن: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد. لمن: جار ومجرور متعلق به. والجملة الفعلية جواب إذا. وجملة إذا في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة. وجملة إذا المقدرة مستأنفة. شِئْتَ: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: لمن شئته. مِنْهُمْ: جار ومجرور، حال من العائد المحذوف. وَاسْتَغْفِرْ: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد معطوف على إئذن. لَهُمُ: متعلق باستغفر اللَّهَ مفعول به. إِنَّ اللَّهَ: ناصب واسمه. غَفُورٌ: خبر أول له. رَحِيمٌ: خبر ثان لها. وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ.
لَا: ناهية جازمة. تَجْعَلُوا: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية. والجملة مستأنفة. دُعَاءَ الرَّسُولِ: مفعول أول. بَيْنَكُمْ: ظرف ومضاف إليه حال من الرسول. كَدُعَاءِ: الكاف اسم بمعنى مثل في محل النصب، مفعول ثان لـ جعل. الكاف مضاف. دعاء: مضاف إليه. دعاء: مضاف بَعْضِكُمْ: مضاف إليه. بَعْضًا: مفعول به لـ دعاء. قَدْ: حرف بمعنى: ربما مفيدة للتكثير. يَعْلَمُ اللَّهُ: فعل وفاعل. الَّذِينَ: مفعول به، والجملة مستأنفة. يَتَسَلَّلُونَ: فعل وفاعل صلة الموصول. مِنْكُمْ: متعلق بـ يَتَسَلَّلُونَ. لِوَاذًا: منصوب على المفعولية المطلقة المعنوية؛ لأنه بمعنى يَتَسَلَّلُونَ تسللًا، أو يلاوذون لواذًا، ويجوز نصبه على الحال بمعنى ملاوذين.
فَلْيَحْذَرِ: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت علم الله المتسللين، وأردتم بيان ما هو الأحوط لكم.. فأقول لكم ليحذروا. و (اللام): لام الأمر. يحذر: مجزوم بلام الأمر. الَّذِينَ: فاعل. والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. يُخَالِفُونَ: فعل وفاعل صلة الموصول عن زائدة أَمْرِهِ: مفعول به.
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤).
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ: ناصب وفعل ومفعول به وفاعل. والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ يحذر. والتقدير: فليحذر الذين يخالفون أمره إصابة فتنة إياهم. أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: فعل ومفعول وفاعل وصفة معطوفة على جملة أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ، أو إصابة عذاب أليم إياهم. أَلَا: حرف استفتاح وتنبيه. إِنَّ: حرف نصب. لِلَّهِ: جار ومجرور خبر مقدم لـ إِنَّ. ما: اسم موصول في محل النصب اسم إن مؤخر. وجملة إن مستأنفة. فِي السَّمَاوَاتِ: جار ومجرور صلة ما الموصولة. وَالْأَرْضِ: معطوف على السماوات. قَدْ: حرف تكثير بمعنى رب التكثيرية. يَعْلَمُ: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ما: اسم موصول في محل النصب مفعول يَعْلَمُ. أَنْتُمْ: مبتدأ. عَلَيْهِ: خبره. والجملة الاسمية صلة ما الموصولة. وجملة يَعْلَمُ: حال لازمة للجلالة. وَيَوْمَ: معطوف على مفعول يعلم. يُرْجَعُونَ: فعل ونائب فاعل. إِلَيْهِ: متعلق به. والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ يوم. فَيُنَبِّئُهُمْ: الفاء: عاطفة. ينبئهم: فعل ومفعول أول وفاعل مستتر يعود على الله. بِمَا: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ينبئهم. وجملة عَمِلُوا صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: بما عملوه. وجملة ينبئهم في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: قَدْ يَعْلَمُ. وَاللَّهُ: مبتدأ. بِكُلِّ شَيْءٍ: متعلق بـ عَلِيمٌ. عَلِيمٌ: خبر المبتدأ. والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
لِيَسْتَأْذِنْكُم: استأذن من باب استفعل. فالسين والتاء فيه للطلب، فهو على بابه؛ لأن الاستئذان، طلب الإذن. والإذن في الشيء: إعلام بإجازته، والرخصة فيه، كما مر. مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم يشمل العبيد والإماء.
وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ؛ أي: وقت البلوغ، إما بالاحتلام، وإما ببلوغ خمس عشرة سنة من حلم بفتح اللام. قال في "القاموس": الحلم بالضم، والاحتلام الجماع في النوم. والاسم الحلم كعنق. انتهى. وفي "المفردات" ليس الحلم في الحقيقة هو العقل، لكن فسروه بذلك، في نحو قوله: أولو الأحلام لكونه من مسببات العقل. ويسمى البلوغ بالحلم، لكونه جديرًا صاحبه بالحلم اهـ.
تَضَعُونَ تخلعون. الظَّهِيرَةِ: وقت اشتداد الحر حين انتصاف النهار. قال في "القاموس": الظهيرة حد انتصاف النهار. وإنما ذلك في القيظ. عَوْرَاتٍ جمع عورة. من أعور الفارس، إذا اختلت حاله. والعورة في الأصل الخلل. ثم غلب في الخلل الواقع فيما يهم حفظه، ويتعين ستره.
طَوَّافُونَ: صيغة مبالغة من الطواف. والطواف: الدوران حول الشيء. ومنه الطائف لمن يدور حول البيت حافًّا. ومنه استعير الطائف من الجن، والخيال والحادثة وغيرها.
وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ؛ أي: أوان البلوغ، كرره للتأكيد كما مر. واعلم (١): أن بلوغ الصغير بالإحبال والإنزال والاحتلام. وبلوغ الصغيرة بهما وبالحيض والحبل. فإن لم يوجد فيهما شيء من العلامات المذكورة فيبلغان حين تم لهما خمس عشرة سنة. كما هو المشهور. وبه يفتى لقصر أعمار أهل زماننا. قال بعض الصحابة: كان الرجل فيمن قبلكم لا يحتلم حتى يأتي عليه ثمانون سنة. قال وهب: إن أصغر من مات من ولد آدم ولد مائتي سنة. وأدنى مدة
البلوغ للغلام اثنتا عشرة سنة، وللجارية تسع سنوات.
وَالْقَوَاعِدُ: جمع قاعد بلا هاء، لاختصاصها بالمرأة. قال في "القاموس": القاعد التي قعدت عن الولد، وعن الحيض، وعن الزوج. وفي "المصباح" وقعدت المرأة عن الحيض، أسنت وانقطع حيضها، فهي قاعد بغير تاء. والجمع قواعد. وقعدت عن الزوج فهي لا تشتهيه، ولولا تخصيصهن بذلك، لوجبت التاء، نحو ضاربة وقاعدة من القعود، بمعنى الجلوس.
غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ؛ أي: مظهرات للزينة. وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه، من قولهم سفينة بارج لا غطاء عليها. والبرج: محركة سعة العين، يرى بياضها محيطًا بسوادها كله، لا يغيب منه شيء، إلا أنه اختص بأن تتكشف المرأة للرجال، بإبداء زينتها، وإظهار محاسنها للرجال. فالبرج يعطي معنى الاتساع، يقال: برج يبرج برجًا من باب تعب، اتسع أمره في الأكل والشرب ونحوهما. وبرجت عيناه اتسعت، بحيث يرى بياضها محدّقًا بالسواد كله، والبرج الركن والحصن والقصر، وكل بناء مرتفع على شكل مستدير، أو مربع. ويكون منفردًا، أو قسمًا من بناية عظيمةٍ. وجمعه برج بضمتين وأبراج وأبرجة. والبرج أيضًا أحد بروج السماء، وهي اثنا عشر. كما مر. والبارجة: سفينة كبيرة للقتال، وتجمع على بوارج، ومن أمثالهم ما فلان إلا بارجة، قد جمع فيه كل الشر؛ أي: إنه شرير.
وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ: استفعال من العفة، وهي حصول حالة للنفس، تمتنع بها عن غلبة الشهوة لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ والحرج لغة الضيق، ويراد به في الدين الإثم، (الأعمى) مفتقد البصر.
وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ من العروج، وهو ذهاب في صعود. وعرج مشى مشي العارج؛ أي: الذاهب في صعود. يقال: عرج يعرج من باب دخل، إذا أصابه شيء في رجله، فمشى مشية العرجان. وعرج كطرب إذا صار ذلك خلقة له.
وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ صفة من المرض. والمرض الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان. أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ والأكل تناول المطعم أكلًا، أو
شربًا. والبيوت جمع بيت. والبيت في الأصل مأوى الإنسان بالليل. وقد يقال: من غير اعتبار الليل فيه. لكن البيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر.
أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ جمع مفتح. والمفاتيح جمع مفتاح. كلاهما آلة الفتح. والفتح: إزالة الإغلاق والإشكال. أَوْ صَدِيقِكُمْ من الصداقة. والصداقة صدق الاعتقاد في المودة. وذلك مختص بالإنسان. دون غيره. والصديق من صدقك في مودته. قال أبو عثمان: الصديق من لا يخالف باطنه باطنك، كما لا يخالف ظاهره ظاهرك إذ ذاك يكون الانبساط إليه مباحًا في كل شيء من أمور الدين والدنيا. ونعم ما قيل: صديقك من صدقك، لا من صدَّقك. ويطلق على الواحد والجمع. وكذلك الخليط والقطين والعدو.
أَوْ أَشْتَاتًا جمع شت بمعنى تفرق. وفي "المختار" أمر شت بالفتح؛ أي: متفرق. يقال: شت الأمر يشت بالكسر من باب ضرب شتًا وشتاتًا، بفتح الشين فيهما؛ أي: تفرق أَمْرٍ جَامِعٍ؛ أي: خطب جلل يستعان فيه بأرباب التجارب، والآراء، كقتال عدو أو تشاور في حادث قد عرض.
يَتَسَلَّلُونَ ينسلون واحدًا بعد واحد، أو قليلًا قليلًا. وفي "أبي السعود" التسلل: الخروج من البين على التدريج والخفية اهـ. يقال: تسلل الرجل؛ أي: انسرق من الناس وفارقهم، بحيث لا يعلمون.
لِوَاذًا: واللِّواذ والملاوذة التستر. يقال: لاذ فلان بكذا، إذا استتر به. واللواذ مصدر لاوذ، وإنما صحت الواو فيه، وإن انكسر ما قبلها ولم تقلب ياء، كما قلبت في قيام وصيام؛ لأنها صحت في الفعل، نحو لاوذ، فلو أعلت في الفعل لأعلت في المصدر. نحو القيام والصيام لقلبها ألفًا في قام وصام. وأما مصدر لاذ بكذا يلوذ به، فمعتل نحو لاذ به يلوذ لياذًا، مثل صام صيامًا وقام قيامًا. واللواذ والملاوذة: التستر في خفية.
يُخَالِفُونَ: يقال: خالفه إلى الأمر إذا ذهب إليه دونه، وخالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه. والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو فعله.
فِتْنَةٌ؛ أي: بلاء وامتحان في الدنيا. وقال أبو بكر بن طاهر: الفتنة مأخوذ بها والبلاء معفو عنه ومثاب عليه. وَعَذَابٌ أَلِيمٌ؛ أي: عذاب مؤلم موجع في الآخرة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التفصيل بعد الإجمال في قوله: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ إلخ.
ومنها: الإجمال بعد التفصيل في ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ.
ومنها: تسمية الشيء باسم ما يقع فيه، مبالغة في كونه محلًا له في قوله: ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ حيث سمى الأوقات المذكورة عورات، مع أنها ليست نفس العورات، بل هي أوقات العورات.
ومنها: الإيضاح في قوله: وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ الآية. وهو أن يذكر المتكلم كلامًا في ظاهره لبس، ثم يوضحه في بقية كلامه. وهنا في هذه الآية ترد على ظاهرها أربعة أسئلة:
أولها: ما الفائدة في الإخبار برفع الجناح، عمن أكل من بيته، وكيف يظن أن على من أكل من بيته جناحًا؟ فالجواب عنه أن يقال: فائدة الإخبار برفع الجناح عمن أكل من بيته التوطئة، ليبنى عليه ما يعطفه على جملته من البيوت، التي قصد إباحة الأكل منها. فإنه إذا علم، أن الإنسان لا جناح عليه أن يأكل من بيته، فكذلك لا جناح عليه أن يأكل من هذه البيوت، ليشير إلى أن أموال هذه القرابة، كمال الإنسان، وإذا تساوت هذه الأموال، سرى ذلك التساوي إلى الأزواج، فيكون سبحانه، قد أدمج في ذلك الحض، على صلة الأرحام، ومعاملتهم معاملة الإنسان نفسه.
وثانيها: لم لم يذكر بيوت الأولاد، كما ذكر بيوت غيرهم من الأقارب القريبة؟ فالجواب عنه: أن يقال: إن أموال الأولاد كمال نفسه، فتصرف الوالدين
فيها، كتصرفهم في أموالهم أنفسهم، لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه.
وثالثها: ما فائدة قوله: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ وظاهر الحال، أن هذا داخل في قوله: مِنْ بُيُوتِكُمْ؟ قلنا: يحتمل أن يراد بما في البيوت، المال التليد العتيد، وما ملك الإنسان مفاتحه، المال الطريف المكتسب، الذي يتسبب الإنسان في تحصيله، ويتعب في اكتسابه.
ورابعها: كيف وقعت التسوية بين الصديق، وبين هؤلاء الأقارب؟ قلنا: سر التسوية بين الصديق وبين هؤلاء الأقارب، تعريف حق الصديق، الذي ساوى باطنه ظاهره في إخلاص المودة. ولا يكون صديقًا حتى يكون كذلك.
وقد اشتملت هذه الآية، على تسعة أضرب من فنون البديع:
١ - صحة التقسيم، وذلك لاستيعاب الكلام، جميع أقسام الأقارب القريبة، بحيث لم يغادر منها شيئًا.
٢ - التهذيب، وذلك في انتقال الكلام على مقتضى البلاغة في هذا المكان، فإن مقتضى البلاغة، تقديم الأقرب فالأقرب. كما جاء فيها.
٣ - حسن النسق، وذلك في اختياره. أَوْ: لعطف الجمل، وهي تدل على الإباحة.
٤ - الكناية، فقد كنى سبحانه عن الأموال، بالبيوت التي هي حرز الأموال ومقرها، من باب تسمية الشيء بما جاوره، كقولهم: سال الميزاب، وجرى النهر.
٥ - المناسبة: وذلك بمناسبة الألفاظ بعضها بعضًا في الزنة، وهي واضحة في لفظة آبائكم وإخوانكم وأعمامكم وأخوالكم.
٦ - المثل: وذلك في قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا خرج مخرج المثل السائر، الذي يصح أن يتمثل به في كل واقعة، تشبه واقعته.
٧ - التذييل، فإن الكلام الذي خرج مخرج المثل جاء تذييلًا لمعنى الكلام المتقدم، لقصد توكيده وتقريره.
٨ - المطابقة: وذلك في قوله: جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فإن هاتين اللفظتين تضادتا تضادًا، أوجب لهما وصفهما بالمطابقة؛ لأن المعنى جميعًا أو متفرقًا.
٩ - المقارنة: وذلك في موضعين:
أحدهما: اقتران التمثيل بالتذييل، كما تقدم بيانه.
والثاني: اقتران المطابقة بالتمكين، فإن فاصلة هذا الكلام في غاية التمكين.
ومنها: الطباق بين جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا؛ لأن المعنى مجتمعين ومتفرقين.
ومنها: الإطناب، بتكرير لفظ الحرج لترسيخ الحكم في الأذهان في قوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ؛ لأن الأمر لما كان سببًا في جمعهم، نسب الجمع إليه مجازًا اهـ. "سمين".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
مجمل ما حوته هذه السورة الكريمة من الأغراض والمقاصد
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - عقوبة الزاني والزانية.
٢ - عقوبة قاذف المحصنات الغافلات المؤمنات.
٣ - حكم قذف الزوجات.
٤ - قصص الإفك وبراءة أم المؤمنين عائشة.
٥ - آداب الزيارة.
٦ - أمر المؤمنين بغض الأبصار وحفظ الفروج.
٧ - نهي النساء عن إبداء زينتهن لغير بعولتهن إلخ.
٨ - أمر المؤمنين بإنكاح الأيامى من الرجال والنساء، فالمجتمع الإِسلامي كأنه أسرة واحدة.
٩ - أمر من لم تتوافر له وسائل النكاح، لعدم وجود المال، أو سواه، بالعفة حتى يغنيه الله تعالى.
١٠ - بيان أن الأعمال الصالحة، التي يعملها الكافرون في الدنيا، لا تجدي عنهم نفعًا يوم القيامة، بل تكون كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
١١ - الأدلة التي نصبها الله في الأكوان علويها وسفليها شاهدة بوحدانيته.
١٢ - المنافقون يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
١٣ - وصف المؤمنين الصادقين.
١٤ - وعد الله عباده المؤمنين، بأنه يستخلفنهم في الأرض، وينشر دينهم الذي ارتضى لهم.
١٥ - استئذان الموالي والأطفال في أوقات ثلاث، إذا أرادوا الدخول على أهليهم.
١٦ - رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في الجهاد.
١٧ - لا حرج في الأكل من بيوت الآباء والأمهات إلخ. بلا إذن.
١٨ - نهي المؤمنين عن الانصراف، من مجلس رسول الله - ﷺ -، إذا كانوا معه في أمر جامع.
١٩ - إباحة إذنه لهم إن شاء، حين الطلب.
٢٠ - بيان أن مجلس الرسول مبجل موقر، وليس كمجلس المؤمنين بعضهم مع بعض (١).
والله أعلم
* * *
سورة الفرقان
سورة الفرقان: مكية كلها، عند الجمهور. كذا أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه من طرق عن ابن عباس. وأخرجه ابن مردويه عن ابن الزبير. قال القرطبي: وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها، نزلت بالمدينة. وهى قوله: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى قوله: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.
وهى سبع وسبعون آية (١)، وثمان مئة واثنتان وسبعون كلمة، وثلاث آلاف وسبع مئة وثلاثة وستون حرفًا.
الناسخ والمنسوخ: وجملة ما فيها من المنسوخ آيتان (٢):
أولاهما: قوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى قوله: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا نسخها بقوله: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا.
والآية الثانية، قوله: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا منسوخة في حق الكفار، بآية السيف، وبعض معناها محكم في حق المؤمنين.
علة التسمية: سميت (٣) بسورة الفرقان؛ لأن بها الفرق بين الحق والباطل، لاشتمالها على أحكام التوحيد وأدلته، ومكارم الأخلاق وأحوال العباد.
فضلها: أخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم وابن حبان والبيهقي في "سننه" عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت هشام بن حكيم، يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله - ﷺ -، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى
(٢) الناسخ والمنسوخ لابن حزم.
(٣) الصاوي.
سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله - ﷺ -، فقلت: كذبت، فإن رسول الله - ﷺ - قد أقرأنيها على غير ما قرأته، فانطلقت أقوده إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله - ﷺ -: "أرسله أقرئنا هشام". فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله - ﷺ -: "كذلك أنزلت". ثم قال: "أقرئنا عمر". فقرأت القراءة التي أقرأني. فقال رسول الله - ﷺ -: "كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه".
وعن النبي - ﷺ - (١): "من قرأ سورة الفرقان، لقي الله، وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأدخل الجنة بغير نصب" ولكن هذا الحديث موضوع.
المناسبة: مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها (٢)، أنه لما ذكر وجوب مبايعة المؤمنين للرسول، وأنهم إذا كانوا معه في أمر مهم، توقف انفصال واحد منهم على إذنه، وحذر من يخالف أمره، وذكر أن له ملك السماوات والأرض، وأنه تعالى عالم بما هم عليه، ومجازيهم على ذلك، فكان ذلك غاية في التحذير والإنذار. ناسب أن يفتتح هذه السورة بأنه تعالى، منزه في صفاته عن النقائص، كثير الخير. ومن خيره أنه نزل الفرقان على رسوله منذرًا لهم، فكان في ذلك إطماع في خيره، وتحذير من عقابه.
وفي "المراغي": مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه (٣):
١ - أنه سبحانه اختتم السورة السابقة، بكونه مالكًا لما في السماوات والأرض، مصرفًا له على ما تقتضيه الحكمة البالغة، والمصلحة العامة مع النظام البديع، والوضع الأنيق وأنه سيحاسب عباده يوم القيامة على ما قدموا من العمل خيرًا كان أو شرًا. وافتتح هذه بما يدل على تعاليه في ذاته وصفاته، وأفعاله، وعلى حبه لخير عباده بإنزال القرآن لهم هاديًا، وسراجًا، منيرًا.
(٢) البحر المحيط.
(٣) المراغي.
٢ - اختتم السورة السالفة، بوجوب متابعة المؤمنين للرسول - ﷺ - مع مدحهم على ذلك، وتحذيرهم من مخالفة أمره خوف الفتنة، والعذاب الأليم، وافتتح هذه بمدح الرسول، وإنزال الكتاب عليه، لإرشادهم إلى سبيل الرشاد وذم الجاحدين لنبوته، بقولهم: إنه رجل مسحور، وإنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق إلى آخر ما قالوا.
٣ - في كل من السورتين وصف السحاب، وإنزال الأمطار، وإحياء الأرض الجزر. فقال في السالفة: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا إلخ. وقال في هذه: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا إلخ.
٤ - ذكر في كل منهما، وصف أعمال الكافرين يوم القيامة، وأنها لا تجزيهم فتيلًا ولا قطميرًا، فقال في الأولى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ إلخ. وقال في هذه: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣).
٥ - وصف النشأة الأولى للإنسان في أثنائهما. فقال في الأولى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ. وفي الثانية: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا. والله أعلم
* * *
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي صفحة رقم 468
الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)}.
حوت هذه السورة توحيد الله، وإثبات نبوة محمد - ﷺ -، وبيان صفات النبي - ﷺ -، والرد على من أنكروا نبوته - ﷺ -. ثم بيان أحوال يوم القيامة، وما يكون فيها من الأهوال. ثم ختمت بأوصاف عباده المخلصين، الذين يمشون على الأرض هونًا. ثم ذكر جلال الله، وتصرفه في خلقه، وتفرده بالخلق والتقدير.
المناسبة
قوله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً... الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله (١) سبحانه، لما وصف نفسه بصفات العزة والجلال، وبين وجه الحق في ذلك، أردفه حكاية أباطيل عبدة الأوثان، الذين اتخذوا من دونه آلهة تعجيبًا لأولي النهى من حالهم، وتنبيهًا إلى خطأ أفعالهم، وتسفيهًا لأحلامهم. فقد انحرفوا عن منهج الحق، وركبوا المركب الذي لا يركبه إلا كل آمن الرأي مسلوب العقل.
قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ... مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه، لما تكلم أولًا في التوحيد، ثم في الرد على عبدة الأوثان، أردف ذلك بالرد على الطاعنين في نبوة محمد - ﷺ -، وقد قسموا مطاعنهم قسمين، مطاعن في القرآن، ومطاعن فيمن نزل عليه القرآن.
قوله تعالى: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما حكى شبهتهم فيما يتعلق بالمنزل، وهو القرآن، ساق شبهتهم في المنزل عليه، وهو الرسول على الوجه الذي ذكره. ثم فند تلك الشبه، وبين سخفها، وأنها لا تصلح مطعنًا في النبي. ثم حكى عنهم نوعًا ثالثًا من أباطيلهم، وهو تكذيبهم بيوم القيامة. ثم وصف ما أعد للكافرين فيه، مما يشيب من هوله الولدان من نار تلظى، يسمعون لها تغيظًا وزفيرًا،
ووضعهم فيها مقرنين في الأصفاد، ونداؤهم إذ ذاك بقولهم يا ثبوراه. ثم أتبع ذلك بما يؤكد حسرتهم وندامتهم، بوصف ما يلقاه المتقون في جنات النعيم. مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن هذا ما وعدهم به ربهم الذي لا خلف لوعده.
قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ... الآيات، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر ما أعد لأولئك المكذبين بيوم القيامة، من الشدائد والأهوال في النار، ودعائهم على أنفسهم، بالويل والثبور.. أردفه ذكر أحوالهم مع معبوداتهم من دون الله، وتوبيخهم على عبادة من عبدوا من الملائكة وغيرهم. ثم ذكر أن معبوداتهم تكذبهم فيما نسبوه إليهم، ثم بين أن العابدين لا يستطيعون دفعًا عن أنفسهم، ولا يجدون من يستنصروه به.
قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ... الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله (١) سبحانه، لما ذكر مقالتهم التي طعنوا فيها على رسوله بقولهم: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ زاعمين أن هذا مما لا ينبغي للرسول أن يفعل مثله، أردف ذلك بالاحتجاج عليهم، بأن محمدًا ليس بدعًا في الرسل، فكلهم كانوا يفعلون فعله. وفي هذا تسلية للرسول - ﷺ -، وتصبير له على أذاهم. ثم بين أن سنته، أن يبتلي بعض الناس ببعض، فيبتلي الفقراء بالأغنياء، والمرسلين بالمرسل إليهم، فيناصبوهم العداء، ويؤذوهم ليعلم أيهم يصبر، وأيهم يجزع، وهو البصير بحال الصابرين، وحال الجازعين.
أسباب النزول
قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ... الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (٢) ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير وابن أبي حاتم عن خثيمة قال: قيل للنبي - ﷺ -: إن شئت أعطيناك مفاتيح الأرض وخزائنها، لا ينقصك ذلك عندنا شيئًا في الآخرة، وإن شئت جمعتهما لك في الآخرة.
(٢) لباب النقول.
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
هاشم محمد علي مهدي