قوله :«إِذَا رَأَتْهُمْ » هذه الجملة الشرطية في موضع نصب صفة ل «سَعِيراً »(١)، لأنه مؤنث بمعنى النار.
قوله : سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً فإن قيل : التَّغَيُّظُ لا يُسمع. فالجواب من ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه على حذف مضاف، أي : صوت تغيظها(٢).
والثاني : أنه على حذف تقديره : سمعوا ورأوا تغيظاً وزفيراً، فيرجع كل واحد إلى ما يليق به، أي : رأوا تغيظاً وسمعوا زفيراً(٣).
والثالث(٤) : أن يضمن «سَمِعُوا » معنى يشمل الشيئين، أي : أدركوا لها تغيظاً وزفيرا(٥).
وهذان الوجهان الأخيران منقولان من قوله :
وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى *** مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحَا(٦)
ومن قوله :
عَلَفْتُها تِبْناً وَمَاءً بَارداً(٧)
أي : ومعتقلاً رمحاً، وسقيتها ماء، أو(٨) يُضَمَّن ( مُتَقَلِّداً ) معنى متسلحاً، و ( علفتها ) معنى أطعمتها(٩) تبناً(١٠) وماءً(١١) بارداً.
فصل
معنى إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ . قال الكلبي والسديّ من مسيرة عام. وقيل : من مسيرة مائة سنة(١٢). روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :«مَنْ كَذَب علَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأ بَيْنَ عَيْنَي جهنمَ مَقْعَدا » قالوا : وهل لها من عينين ؟ قال : نعم ألم تسمع قول الله - عزَّ وجلَّ - إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (١٣).
وقيل : إذا رأتهم زبانيتها(١٤). قال الجبائي : إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلين بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار، فهو كقوله «وَاسْأَلِ القَرْيَةَ »(١٥) وأراد أهلها(١٦).
٢ انظر البيان ٢/٢٠٢..
٣ في ب: وزفيرا سمعوا..
٤ في ب: الثاني. وهو تحريف..
٥ انظر الوجهين في البحر المحيط ٦/٤٨٥..
٦ من مجزوء الكامل، قاله عبد الله بن الزبعرى، شرح المفصل ٢/٥٠، البحر المحيط ٦/٤٨٥، وروي: يا ليت زوجك قد غدا. وروي أيضا: يا ليت بعللك في الوغى. وقد تقدم..
٧ رجز قاله ذو الرمة، وبعده:
حتى شتت همالة عيناها ***...
وتقدم تخريجه في سورة الحج..
٨ في ب: و..
٩ في ب: وأطعمتها..
١٠ تبنا: سقط من ب..
١١ في ب: ماء..
١٢ انظر البغوي ٦/١٦١..
١٣ أخرجه الطبري في تفسيره ١٨/١٤٠ وانظر البغوي ٦/١٦١. والدر المنثور ٥/٦٤..
١٤ انظر البغوي ٦/١٦١..
١٥ من قوله تعالى: واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون [يوسف: ٨٢]..
١٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/٥٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود