أي: ما دُمْنا قد جمعنا لك كل القرى، وحمّلناك الرسالة العامَة في كل الزمان وفي كل المكان، فعليك أن تقف الموقف المناسب لهذه المهمة فَلاَ تُطِعِ الكافرين [الفرقان: ٥٢] إنْ لوَّحُوا لك بالملك أو بالمال أو بالجاه والشرف، واعلم أن ما أعده الله لك وما ادخره لك فوق هذا كله.
وحين يقول سبحانه لرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فَلاَ تُطِعِ الكافرين [الفرقان: ٥٢] فإنه يعذره أمامهم، فالرسول ينفذ أوامر الله.
وَنَهْى الرسول عن طاعة الكافرين لا يعني أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يطيعهم، فهذه كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ [النساء: ١٣٦] فكيف يطلب الإيمان ممَّنْ ناداهم بالإيمان؟ إنه تحصيل حاصل. قالوا المعنى: أنت آمنتَ قبل أن أقول لك هذه الكلمة، وأقولها لك الآن لتُواصل
إيماناً جديداً بالإيمان الأول، وإياك أنْ ينحلّ عنك الإيمان. إذن: إذا طُلِب الموجود فالمراد استدامة الوجود.
وقوله تعالى: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان: ٥٢] أي: بما جاءك من القرآن جِهَاداً كَبيراً [الفرقان: ٥٢] واعلم أنك غالب بأمر الله عليهم، ولا تقُلْ: إن هناك تيارَ إشراك وكفر وإيمان، وسوف أعطيك مثلاً كونياً في أهم شيء في حياتك، وهو الماء.
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي