عدم طاعة الكافرين. والجهاد بالقرآن العظيم
" فلا تطع الكافرين. وجاهدهم به جهادا كبيرا ".
المناسبة :
لما بين له ما خصصه به من الكرامة، دعاه إلى مقابلة ذلك بعدم طاعة أهل الكفر، والثبات على جهادهم بالقرآن.
المفردات :
( الفاء ) تفريعية. ( والطاعة ) الامتثال للطلب.
( والجهاد ) بذل الجهد من ناحيتك في مقابلة من هو باذل جهده في الناحية المقابلة لك، هذا مقتضى صيغة فعال١.
التراكيب :
( جهادا كبيرا ) مصدر مبين للنوع المطلوب بصفته، وهي كبيرا.
المعنى :
لما أكرمناك بعموم رسالتك، وختم النبوة بك فقابل هذه النعمة بإخلاص الطاعة لربك.
ولا تطع الكافرين أعداء الله وأعداءك، في أي شيء يدعونك إليه من مقتضيات كفرهم : كالرجوع إليهم، والسكوت عن بعض كفرهم.
وابذل كل جهدك في دعوتهم للدين الحق، ومقاومة ما هم عليه من الباطل بالقرآن العظيم، وجاهدهم بهذا القرآن جهادا كبيرا، بتحمل كل ما يأتيك من ناحيتهم من بلاء و إذاية والصبر عليه، والثبات على الدعوة والمقاومة.
تعميم :
كما لا تجوز طاعة الكافرين في شيء مما يمليه عليهم كفرهم، كذلك لا تجوز طاعة العصاة في شيء مما تمليه معصيتهم، لأن الجميع فيه مخالفة لدين الله.
وكما يجاهد أهل الكفر بالقرآن العظيم الجهاد الكبير ؛ كذلك يجاهد به أهل المعصية لأنه كتاب الهداية لكل ضال، والدعوة لكل مرشد.
وفي ذكر الكافرين تنبيه على العصاة على التنبيه بالأعلى على الأدنى ؛ لاشتراكهم في العلة وهي المخالفة.
اقتداء :
النبي لم يطع الكافرين ؛
ما كان النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ليطيع الكافرين، وإنما جاء هذا النهي تهييجا له على تمام مخالفتهم ومعاكستهم في جميع مناحي ومظاهر كفرهم.
والخطاب وإن كان له فالحكم شامل لأمته، فلا يجوز للمسلم أن يطيع كافرا أو عاصيا في أي شيء من نواحي الكفر، ونواحي المعصية.
فرضية الجهاد علينا :
وكما أن الجهاد بالقرآن العظيم هو فرض عليه، فكذلك هو فرض على أمته هكذا على الإجمال. وعند التفصيل تجده فرضا على الدعاة والمرشدين الذين يقومون بهذا الفرض الكفائي٢ على المسلمين.
فالنبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قدوة لأمته فيما اشتملت عليه الآية من نهي وأمر.
استدلال :
الدعوة بالقرآن :
هذه الآية نص صريح في أن الجهاد في الدعوة إلى الله، وإحقاق الحق من الدين.
وإبطال الباطل من شبه المشبهين وضلالات الضالين، وإنكار الجاحدين، هو بالقرآن العظيم :
ففيه بيان العقائد وأدلتها، ورد الشبه عنها.
و فيه بيان الأخلاق محاسنها ومساوئها، وطرق الوصول إلى التحلي بالأولى، والتخلي عن الثانية ومعالجتها.
وفيه أصول الأحكام وعللها.
وهكذا فيه كل ما يحتاج إليه المجاهد به في دين الله.
فيستفاد منها كما يستفاد من آيات أخرى غيرها، أن على الدعاة والمرشدين أن تكون دعوتهم وإرشادهم بالقرآن العظيم.
ميزان :
عندما يختلف عليك الدعاة، الذين يدعي كل منهم أنه يدعوك إلى الله تعالى، فانظر : من يدعوك بالقرآن إلى القرآن – ومثله ما صح من السنة لأنها تفسيره وبيانه، فاتبعه لأنه هو المتبع للنبي- – صلى الله عليه وآله وسلم – في دعوته وجهاده بالقرآن، والممتثل لما دلت عليه أمثال هذه الآية الكريمة من آيات القرآن٣.
نعمة ومنقبة :
قد سمى الله تعالى الجهاد بالقرآن جهادا كبيرا. وفي هذا منقبة كبرى للقائمين بالدعوة إلى الله بالقرآن العظيم. وفي ذلك نعمة عظيمة من الله عليهم حيث يسرهم لهذا الجهاد، حتى ليصح أن يسموا بهذا الاسم الشريف " مجاهدون " ٤. فحق عليهم أن يقدروا هذه النعمة، ويؤدوا شكرها بالقول والعمل، والإخلاص والصبر والثبات واليقين.
جعلنا الله والمسلمين منهم وحشرنا في زمرتهم أجمعين.
٢ إذا قام به البعض سقط عن الباقين..
٣ يحرص الإمام على تعقب الطرق المضلة في كل مناسبة لما كان لبعضا من أسوأ الآثار.
.
٤ وكأنما كانت تلك الكلمة ارهاصا بالثورة الجزائرية، التي قامت بعدئذ سنة ١٩٥٤ م.
وكان الإمام يشير إلى جبال أوراس وحصونها ويقول : من هنا يجب أن تقوم الثورة، فقامت فعلا من نفس المكان باسم الإسلام، والجهاد في سبيل الله، ودام الجهاد سبع سنوات ونصف، أتت على الأخضر واليابس، واستشهد مليون ونصف شهيد غير المعطوبين، ولكن ما لانت قناة الجزائريين، وما وهنوا. حتى أتى نصر الله والفتح..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي