ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

ثم ذكر دليلا آخر على كمال قدرته، فقال :
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً * وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً
قلت : أصل المرج : الخلط والإرسال، ومنه قوله تعالى : فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ [ ق : ٥ ]، وقوله صلى الله عليه وسلم :" كيف بك يا عبدَ اللهِ إذا كنت في حُثَالةٍ من الناس، قد مرجتْ عهودهُمْ وأماناتهمْ، وصاروا هكذا، وشَبَّكَ بين أصابعه١ ". يقال : مرج دابته وأمرجتها : إذا أرسلتها في المرعى. ومنه قيل للروضة : مرج.
يقول الحق جل جلاله : وهو الذي مَرَجَ البحرين أي : أرسلهما، وخَلاَّهُمَا متجاورَيْن متلاصقَيْن غير متمازجَيْن. هذا عذبٌ فُرَاتٌ أي شديد العذوبة، قامع للعطش ؛ لعذوبته، أي : برودته، وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ : بليغ الملوحة، أو هذا عذب لا ملوحة فيه، وهذا ملح لا عذوبة فيه، مع اتحاد جنسهما، وجعل بينهما برزخاً ؛ حائلاً بقدرته، يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ؛ لئلا يختلطا، وحِجْراً محجوراً أي : وستراً ممنوعاً عن الأعين، كقوله : حِجَاباً مَّسْتُوراً [ الإسراء : ٤٥ ]، أي : جعل بينهما حاجزاً خفياً ؛ لئلا يغلب أحدهما الآخر، أو : سداً ممنوعاً يمنعهما فلا يبغيان، ولا يفسد الملحُ العذبَ، ولو خَلاَّ الله تعالى البحر الملح، ولم يلجمه بقدرته، لفاض على الدنيا، واختلط مع العذب وأفسده.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : مَرج البحرين ؛ بحر الشريعة وبحر الحقيقة، فبحر الشريعة عذب فرات ؛ لأنه سهل المدارك، يناله الخاص والعام، وبحر الحقيقة ملح أجاج ؛ لأنه لا يناله إلا من ذاق مرارة فطام النفس من هواها، ومجاهدتها في ترك مُنَاها، حتى تموت ثم تحيا، فحينئذٍ تتلذذ بمشاهدة مولاها، وتطيب حياتها في أخراها ودنياها. فبحر الحقيقة صعب المرام، لا يركبه إلا الشجعان، وفي ذلك يقول صاحب العينية رضي الله عنه :

وَإِيَّاك جَزْعاً لا يَهُولُكَ أَمْرُهَا فَمَا نَالَهَا إلاَّ الشُّجَاعُ المُقَارعُ
والبرزخ الذي جعل بينهما : نور العقل، يميز بين محل الشرائع ومحل الحقائق، فيعطي كل ذي حق حقه، ويوفي كل ذي قسط قسطه.

١ أخرجه أبو داود في الملاحم حديث ٤٣٤٢، وابن ماجه في الفتن حديث ٣٩٥٧، وأحمد في المسند ٢/١٦٢..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير