ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

– قوله تعالى : وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا إلى قوله : وإذا خاطبهم :
مدح الله تعالى عباده بالمشي هونا. فمن الناس من رد الهون إلى أخلاق الماشي١ ومنه من رده إلى المشي. ومن رده إلى الأخلاق اختلفوا في العبارات عن تفسيره والمعنى واحد. فقال مجاهد بالحلم والوقار. وقال ابن عباس بالطاعة والعفاف والتواضع. وقال الحسن : حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا. ومن رده إلى المشي قال : مشيا هونا أي رويدا. وروي عن الزهري أنه قال سرعة المشي يذهب بهاء الوجه. وهذا ضعيف إذ رب ماش هذه المشية وهو خداع مكار. قال بعضهم :
كلهم يمشي رويدا *** كلهم يطلب صيدا٢
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكفا في مشيه كأنه يمشي في صبب. وقال زيد بن أسلم : كنت أسأل عن هذه الآية فما وجدت في ذلك شفاء فرأيت في النوم من جاءني فقال : هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض ٣ فهذا التفسير راجع إلى الخلق.
قوله تعالى : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما :
الجاهلون عام في الكفار وغيرهم من جاهلي المؤمنين. واختلفوا في معنى سلاما. فقيل معناه تسلما ٤ أي براءة ٥ وقيل معناه أن يقال لهم قولا ٦ سدادا أي كلاما برفق ولين ٧. وقيل إنه يحتمل أن يراد به التحية، قاله بعض شيوخنا المتأخرين. وهذا القول في حق الجاهلين من المؤمنين محكم غير منسوخ لأن حمل جفاء المسلم حسن ما لم يعد بمضرة. ولا بأس أن يسلم عليه بالتحية ويقابل بالقول الحسن. قال بعض شيوخنا وكذلك هي في حق الذمي الآية محكمة لأن الله تعالى قد أذن في ملاينته وبره لا في احتمال جفائه فإن ذلك لا يجوز لمسلم بحال. وأما الحربيون فالآية منسوخة في حقهم باتفاق وهذا من باب تخصيص العموم، والمفسرون يسمونه نسخا وقد اختلف المفسرون ٨ في ذلك. والذي اعتمد عليه المفسرون أنها منسوخة في الكفار بآية السيف لأنها اقتضت الموادعة والمسالمة. وقد ذكر سيبويه ٩ النسخ في هذه الآية في كتابه، وما تكلم على نسخ سواه، ورجحه بأن المؤمنين لم يؤمروا بالسلام على الكفار. وقال المبرد ١٠ كان ينبغي أن يقول : لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم.
وجاء في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي ١١ وكان من المائلين على علي بن أبي طالب قال يوما بمحضر المأمون ١٢ وعنده جماعة : كنت رأيت عليا بن أبي طالب في النوم فقلت له : إنما تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك. فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يذكر عنه. قال المأمون وبماذا جاوبك ؟ قال : كان يقول لي سلاما سلاما. قال الراوي وكان إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت فنبه المأمون على الآية من حضره وقال : هو والله يا عم علي بن أبي طالب وقد جاوبك بأبلغ جواب. فخزي إبراهيم واستحيى ١٣.

١ ذكره نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ١٢/ ٣٧..
٢ هذا من كلام أبي جعفر المنصور الخليفة في مدح عمرو بن عبيد الزاهد المشهور وتمامه: غير عمرو بن عبيد. ذكره معلق الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٥٠..
٣ راجع المحرر الوجيز ١٢/ ٣٧، والجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٦٩..
٤ في (د)، (هـ): "تسليما"..
٥ نسبه القرطبي إلى النحاس. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٦٩..
٦ "قولا" كلمة ساقطة في (ح)..
٧ نسبه ابن عطية إلى مجاهد. راجع المحرر الوجيز ١٢/ ٣٨..
٨ في (أ)، (ز): "الأصوليون"..
٩ سيبويه: هو عمرو بن عثمان بن قمبر الحارثي الملقب بسيبويه. عالم في النحو واللغة. توفي سنة ١٨٠ هـ/ ٨١٠م. انظر الأعلام ٥/ ٨١..
١٠ المبرد: هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأسدي المعروف بالمبرد، أبو العباس، شيخ أهل النقل وحافظ علم العربية. له مؤلفات عديدة منها: الكامل، إعراب القرآن. توفي سنة ٢٨٦ هـ/ ٩١٦م. انظر الأعلام ٧/ ١٤٤..
١١ إبراهيم بن المهدي: هو إبراهيم بن المهدي بن المنصور الهاشمي أخو هارون الرشيد، اشتهر بالغناء واللهو. توفي سنة ٢٢٤هـ/ ٨٤٠م. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٣٩..
١٢ المأمون: هو أبو محمد بن الشريف العباسي، أحمد بن العباس بن علي بن محمد بن يعقوب بن الحسين. أمير المؤمنين. انظر التكملة آخر الجزء الخامس..
١٣ راجع القصة في المحرر الوجيز ٢/ ٣٨، ٣٩، وفي الجامع لأحكام القرآن ١٣/ ٧٠، ٧١..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير