ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون١ قالوا سلاما٦٣ :
يعطينا الحق- تبارك وتعالى- صورة للعبودية الحقة، ونموذجا للذين اتبعوا المنهج، كأنه-تبارك وتعالى- يقول لنا : دعكم من الذين أعرضوا عن منهج الله وكذبوا رسوله، وانظروا إلى أوصاف عبادي الذين آمنوا بي، ونفذوا أحكامي، وصدقوا رسولي.
نقول : عباد وعبيد. والتحقيق أن( عبيد ) جمع لعبد، وأن ( عباد ) جمع لعباد مثل : رجال جمع راجل : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا... ٢٧ ( الحج ) : إذن : عبيد غير عباد.
وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين العبيد والعباد، فكلنا عبيد لله تعالى : المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فما دام يطرأ، عليه في حياته ما لا يستطيع أن يدفعه مع أنه يكرهه فهو مقهور، فالعبد الكافر الذي تمرد على الإيمان بالله، وتمرد على تصديق الرسول، وتمرد على أحكام الله فلم يعمل بها.
فهل بعد أن ألف التمرد يستطيع أن يتمرد على المرض إن أصابه ؟ أو يستطيع التمرد على الموت إن حل بساحته ؟ إذن : فأنت عبد رغما عنك، وكلنا عبيد فيما نحن مقهورون عليه، ثم لنا بعد ذلك مساحة من الاختيار.
أما المؤمن فقد خرج من اختياره الذي منحه الله في أن يؤمن أو يكفر، وتنازل عنه لمراد ربه، فاستحق أن يكون من عباد الله وعباد الرحمان... ٦٣ ( الفرقان ) : فنحن وإن كنا عبيدا فنحن سادة ؛ لأننا عبيد الرحمان ؛ لذلك كانت حيثية تكريم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في الإسراء في عبوديته لله تعالى، حيث قال : سبحان الذي أسرى بعبده... ١ ( الإسراء )، فالعبودية هي علة الارتقاء.
فلما أخلص رسول الله العبودية نال هذا القرب الذي لم يسبقه إليه بشر.
لذلك وصف الملائكة بأنهم عباد مكرمون٢٦ ( الأنبياء ) : وباستقراء الآيات لم نجد سوى آية واحدة تخالف في ظاهر الأمر هذا المعنى الذي قلناه في معنى العباد، وهي قوله تعالى في الكلام عن الآخرة : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء... ١٧ ( الفرقان ).
فقال للضالين ( عبادي ) وهي لا تقال إلا للطائعين، لماذا ؟ قالوا : لأن في القيامة لا اختيار لأحد، فالجميع في القيامة عباد، حيث انتفى الاختيار الذي يميزهم.
والعلماء يقولون : إن العباد تؤخذ منها العبادية، وأن العبيد تؤخذ منها العبودية : العبادية في العباد أن يطيع العابد أمر الله، وينتهي عن نواهيه طمعا في ثوابه في الآخرة، وخوفا من عقابه فيها، إذن : جاءت العبادية لأخذ ثواب الآخرة وتجنب عقابها.
أما العبودية فلا تنظر إلى الآخرة، إنما إلى أن الله تعالى تقدم بإحسانه على عبيده إيجادا من عدم، وإمدادا من عدم، وتربية وتسخيرا للكون، فالله يستحق بما قدم من إحسان أن يطاع بصرف النظر عن الجزاء في الآخرة ثوابا أو عقابا.
أما العبودية فهي : ألا ينظر العبد إلى ما قدم من إحسان، ولا ما أخر من ثواب وعقاب، وإنما ينظر إلى جلال الله يستحق أن يطاع، وإن لم يسبق به الإحسان، وإن لم يأت بعد ذلك ثواب وعقاب.
وإن كانت العبودية مكروهة في البشر كما قال أحد الساسة٢ : متى استعبدتم الناس، ولقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ ذلك لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله تعالى فعز وشرف، حيث يأخذ العبد خير سيده، فهي عبودية سيادة، لا عبودية قهر.
فحين تؤمن بالله يعطيك الله الزمام : يقول لك : إن أردت أن أذكرك فاذكرني، وفي الحديث القدسي :" من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " ٣.
وإن كان –سبحانه وتعالى- يستدعيك إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، فما ذلك ألا لتأنس بربك، لكن أنت حر تأتيه في أي وقت تشاء من غير موعد، وأنت تستطيع أن تحدد بدء المقابلة ونهايتها وموضوعها... إلخ، فزمام الأمر في يدك. وقد تعلم سيدنا رسول الله خلق الله، فكان إذا وضع يده في يد أحد الصحابة يسلم عليه لا ينزع يده منه حتى يكون هو الذي ينزع يده من يد رسول الله ٤، وهذا أدب من أدب الحق- تبارك وتعالى- إذن : فالعبودية لله تعالى عبودية لرحمن، لا عبودية لجبار.
وأول ما نلحظ في هذه الآية أنه تعالى أضاف العباد إلى الرحمن، حتى لا نظن أن العبودية لله ذلة، وأن القرآن كلام رب وضع بميزان، ثم يذكر- سبحانه وتعالى- صفات هؤلاء العباد، صفاتهم في ذواتهم، وصفاتهم مع مجتمعهم، وصفاتهم مع ربهم، وصفاتهم في الارتقاء بالمجتمع إلى الطهر والنقاء.
أما في ذواتهم، فالإنسان له حالتان هما محل الاهتمام : إما قاعد، وإما سائر، ونخرج حالة النوم لأنه وقت سكون، أما حال القعود فالحركة محدودة في ذاته، والمهم حال الحركة والمشي، وهذا هو الحال الذي ينبغي الالتفات إليه.
لذلك يوضح لنا ربنا- عز وجل- كيف نمشي فيقول : وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا... ٦٣ ( الفرقان ).
يعني : برفق وفي سكينة، وبلين دون اختيال، أو تكبر، أو غطرسة، لماذا ؟ لأن المشي هو الذي سيعرضك لمقابلة مجتمعات متعددة، وهذا الأدب الرباني في المشي يحدث في المجتمع استطراقا إنسانيا يسوي بين الجميع.
وفي موضع آخر يقول تعالى في هذه المسألة : ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا... ١٨ ( لقمان )، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا٣٧ ( الإسراء ).
وتصعير الخد أن تميله كبرا وبطرا وأصله ( الصعر ) مرض في البعير يصيب عنقه فيسير مائلا، ومن أراد أن يسير متكبرا مختالا فليتكبر بشيء ذاتي فيه، وهل لديك شيء ذاتي تستطيع أن تضمنه لنفسك أو تحتفظ به ؟
وإن كنت غنيا فقد تفتقر، وإن كنت قويا صحيحا قد يصيبك المرض فيقعدك، وإن كنت عزيزا اليوم فقد تذل غدا. إذن : فكل دواعي التكبر ليست ذاتية عندك، إنما هي موهوبة من الله، فعلام التكبر إذن ؟ !
لذلك يقولون في المثل ( اللي يخرز يخرز على وركه ) إنما يخرز على ورك غيره ؟ ! وأصل هذا المثل أن صانع السروج كان يأتي بالصبي الذي عمل تحت يده، ويجعله يمد رجله، ويضع السرج على وركه، ثم يأخذ في خياطته، فرآه أحدهم فرق قلبه للصبي فقال للرجل : إنه ضعيف لا يتحمل هذا، فإن أردت فاجعله على وركك أنت. كذلك الحال هنا، من أراد أن يتكبر فليتكبر بشيء ذاتي فيه، لا بشيء موهوب له.
والمتكبر شخص ضرب الحجاب على قلبه، فلم يلتفت إلى ربه الأعلى، ويرى أنه أفضل من خلق الله جميعا، ولو استحضر كبرياء ربه لاستحى أن يتكبر على خلق الله، فتكبره دليل على غفلته عن هذه المسألة.
لذلك يقول الناظم :
فدع كل طاغية للزمان **** فإن الزمان يقيم الصعر
يعني : سيرى من الزمان ما يقوم اعوجاج، ويرغم أنفه.
ومعنى مرحا... ١٨ ( لقمان ) : المرح : الفرح ببطر. والبطر : أن تأخذ النعمة وتنسى المنعم، وتتنعم بها، وتعصي من وهبك إياها، إذن : المنهي عنه الفرح المصاحب للبطر، وإنكار فضل المنعم، أما الفرح المصاحب للشكر فمحمود، كما قال تعالى : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا... ٥٨ ( يونس ).
وفي موضع آخر يعلمنا أدب المشي، فيقول : واقصد في مشيك واغضض من صوتك... ١٩ ( لقمان ).
وقالوا : إن المراد بالمشي الهون، هو الذي يسير فيه الإنسان على سجيته دون افتعال للعظة أو الكبر، لكن دون انكسار وذلة، وسيدنا عمر-رضي الله عنه- حينما رأى رجلا يسير متماوتا ضربه، ونهاه عن الانكسار والتماوت في المشية، وهكذا فمشية المؤمن وسط، لا متكبر ولا متماوت متهالك.
ثم تتحدث الآية بعد ذلك عن صفات عباد الرحمن وعلاقتهم. بالناس : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما... ٦٣ ( الفرقان ) : والجاهل : هو السفيه الذي لا يزن الكلام، ولا يضع الكلمة في موضعها، ولا يدرك مقاييس الأمور، لا في الخلق ولا في الأدب.
وسبق أن فرقنا بين الجاهل والأمي : الأمي هو خالي الذهن، ليس عنده معلومة يؤمن بها، وهذا من السهل إقناعه بالصواب. أما الجاهل فعنده معلومة مخالفة للواقع ؛ لذلك يأخذ منك مجهودا في إقناعه ؛ لأنه يحتاج أولا لأن تخرج من ذهنه الخطأ، ثم تدخل في قلبه الصواب.
والمعنى : إذا خاطبك الجاهل، فحذار أن تكون مثله في الرد عليه فتسفه عليه كما سفه عليك، بل قرعه بأدب وقل سلاما٦٣ ( الفرقان ) : لتشعره بالفرق بينكما.
والحق- تبارك وتعالى – يوضح في آية أخرى ثمرة هذا الأدب، فيقول : ادفع بالتي هي أحسن فإذا كان بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم٣٤ ( فصلت ).
وما أجمل ما قاله الإمام الشافعي٥ في هذا المعنى :
إذا نطق السفيه فلا تجبه **** فخير من إجابته السكوت٦
فإن كلمته فرجت عنه **** وإن خليته كمدا يموت
فإن اشتد السفيه سفاهة، وطغى عليك وتجبر، فلا بد لك من رد العدوان بمثله، لأنك حلمت عليه، فلم يتواضع لك، وظن حلمك ضعفا، وهنا عليك أن تريه الفرق بين الضعف وكرم الخلق، كالشاعر٧ الذي قال :
صفحنا عن بني ذهل **** وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن ير **** جعن قوما كالذي كانوا
فلما صرح الشر فأم **** سى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا **** ن دناهم كما دانوا
مشينا مشية الليث **** غدا والليث غضبان
بضرب فيه توهين **** وتخضيع وإقران
وطعن كفم الزق٨ **** غدا والزق ملآن
وفي الشر نجاة حي **** ن لا ينجيك إحسان
وبعض الحلم عند الجه **** ل للذلة إذعان
وللإمام علي كرم الله وجهه :
إن كنت محتاجا إلى الحلم إنني **** إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم **** ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن رام تقويمي فإني مقوم **** ومن رام تعويجي فإني معوج
ومعنى : قالوا سلاما٦٣ ( الفرقان ) : قالوا : المراد هنا سلام المتاركة، لا سلام الأمان الذي نقوله في التحية( السلام عليكم ) فحين تتعرض لمن يؤذيك بالقول، ويتعدى عليك باللسان تقول له سلام يعني : سلام المتاركة.
وبعض العلماء يرى أن كلمة قالوا سلاما٦٣ ( الفرقان ) : هنا تعني المعنيين : سلام المتاركة، وسلام التحية والأمان، فحين تحلم على السفيه فلا تجاريه تقول له : لو تماديت معك سأوذيك، وأفعل بك كذا وكذا، فأنت بذلك خرجت من سلام المتاركة إلى سلام التحية والأمان.
ومن ذلك قوله تعالى : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين٥٥ ( القصص ).
ألم يقل إبراهيم- عليه السلام- لعمه آزر لما أصر على كفره : سلام عليك سأستغفر لك ربي... ٤٧ ( مريم ).
والمعنى : لو وقفت أمامك لربما اعتديت عليك، وتفاقمت بيننا المشكلة.

١ الجهل: الطيش والسفه والتعدي بغير حق. والجهل أيضا: ضد العلم وهو الخلو من المرفة. ويتحدد معنى الجهل بما يناسب المقام. والمقصود بالجاهلين هنا: السفهاء.(القاموس القويم ١/١٣٤)..
٢ هو: أحمد عرابي بن محمد عرابي، زعيم مصري، ممن تركت لهم الحوادث ذكرا في تاريخ مصر الحديث، ولد في القرية "هرية رزنة" (عام ١٨٤١م) من قرى الزقازيق بمصر، جاور في الأزهر سنتين، ثم انتظم في الجيش سنة(١٨٥٥م) وكان عمره ١٤عاما حتى بلغ رتبة "أميرالاي" في أيام الخديوي توفيق. توفى ١٩١١م عن ٧٠عاما. انظر (الأعلام للزركبي١/١٦٨)..
٣ أخرجه أحمد في مسنده (٢/٢٥١-٣٥٤-٤٠٥)، والبخاري في صحيحه (٧٤٠٥-٧٥٠٥-٧٥٣٧)والترمذي في سننه (٣٦٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد شرح الشيخ الشعراوي رحمه الله هذا الحديث القدسي في سلسلة "الأحاديث القدسية "(١/١٧-٢٥) بتحقيقنا..
٤ أخرج أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه" أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه" –ص٣٦ طبعة الدر المصرية اللبنانية ١٩٩٣ "عن أنس بن مالك قال: كان صلى الله عليه وسلم إذا صافح رجلا لم ينزع يدع من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عنه حتى يكون هو الذي يصرف"..
٥ هو: محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، أبو عبد الله، أحد الأئمة الأربعة، صاحب المذهب الشافعي، وإليه نسبة الشافعية، ولد في غزة بفلسطين(عام ١٥٠هـ). زار بغداد مرتين، وقصد مصر سنة ١٩٩هـ فتوفي بها(عام٢٠٤هـ) عن٥٤عاما، وقبره معروف بالقاهرة، (الأعلام للزركلي٦/٢٦)..
٦ هذا البيت ذكره أبو الحسن الماوردي في"أدب الدنيا والدين" (ص٢٢٦)، ولكن عزاه لعمرو ابن علي. وانظر: ديوان الإمام الشافعي- طبعة مكتبة ابن سينا ١٩٨٨ص٣٨، فقد ورد فيه هذان البيتان..
٧ هو: شهل بن شيبان بن زمان الحنفي، الشهير بالفند الزماني، من بني بكر بن وائل، شاعر جاهلي، كان سيد بكر في زمانه، وفارسها وهو من أهل اليمامة. شهد حرب بكر وتغلب وقد ناهز عمره المئة. توفي نحو ٧٠ ق هـ، وسمي الفنذ لعظم خلقته.(الأعلام ٣/١٧٩)..
٨ الزق: السقاء. وهو كل وعاء اتخذ لشراب ونحوه. وهو من الجلد.(لسان العرب- مادة: زقق)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير