وحرصا من كتاب الله على هداية الخلق وإن ضلوا، وتمكينهم بكل الوسائل من معرفة الحق وإن زلوا، تصدى كتاب الله في ختام هذا الربع للكشف عن صفات المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول فلم يكفروا بالرحمن، بل آمنوا به وأقبلوا على طاعته وعبادته عن اقتناع وإذعان، وتشرفوا بالانتساب إليه حتى وصفهم القرآن بأنهم عباد الرحمن وذلك ليقتدي بهم من لا يزال سابحا في بحر التردد والعناد، من بقية العباد، فقال تعالى واصفا لهم ومعرفا بهم : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وهذا الوصف الأول يتضمن أمرين، الأمر الأول أنهم لا يعتزلون الناس، بل يعاشرونهم ويخالطونهم، إذ الذين يمشون على الأرض للقيام بواجباتهم وتحمل مسؤولياتهم، والتعاون مع غيرهم على البر والتقوى، والأمر الثاني أنهم إذا مشوا مشوا برفق وتثبت، دون عجلة بالغة، ولم يظهر عليهم أثر التبختر والاستكبار، بل علتهم السكينة والوقار، ولم تبدر منهم بادرة ازدراء للغير أو احتقار، وذلك هو معنى المشي هونا مصداقا لقوله تعالى في آية ثانية : ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد في مشيك ، [ لقمان : ١٨ ]، وقوله تعالى في آية ثالثة : ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا [ الإسراء : ٣٧ ]، وليس المراد بالمشي هونا، التثاقل والتماوت تصنعا ورياء، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، ومناط المدح في الوصف ب ( المشي هونا ) ليس المشي في حد ذاته، وإنما مناط المدح ما يدل عليه ( المشي هونا ) من أخلاق الماشي وسلوكه الحميد، إذ يكون مشيه هونا دليلا على أنه هين لين. روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " حرم الله على النار كل هين لين سهل قريب من الناس ".
والوصف الثاني من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، بمعنى أنه إذا تجرأ عليهم السفهاء بالقول السيء أغضوا عنهم، وكظموا غيظهم، وردوا عليهم ردا هادئا يوقف أذاهم عند حده، دون أن يقابلوهم بالمثل، أو يشتبكوا معهم في خصام، تجنبا لتوسيع دائرة الشقاق، وحرصا على السداد والمسالمة والسلام، على حد قوله تعالى في آية أخرى : وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين [ القصص : ٥٥ ]، وهذا الوصف لا ينافي ما شرعه الله من الجهاد، دفاعا عن الإسلام، عند توفر الأسباب، كما لا ينافي الدفاع عن عرض المسلم، متى تعرض لقذف الأوباش والأوشاب.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري