ثم ذكر أهل الذكر والشكر، فقال :
وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً * وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * وَالَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً * وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ولا يزنون. . . .
قلت : و( عباد ) : مبتدأ، و( الذين ) وما بعده : خبر. وقيل :( أولئك يُجزون ).
و( هوناً ) : حال، أو : صفة، أي : يمشون هينين، أو مشياً هونا.
يقول الحق جل جلاله : وعبادُ الرحمان أي : خواصه الذين يسجدون ويخضعون للرحمان، الذين يمشون على الأرض هوناً أي : بسكينة وتواضع ووقار، قال الحسن : يمشون حُلَمَاء علماء مثل الأنبياء، لا يؤذون الذر، في سكون وتواضع وخشوع، وهو ضد المختال الفخور المَرِح، الذي يختال في مشيه. وقال ابن الحنفية : أصحاب وقار وعفة، لا يسفهون، وإن سفهم عليهم حلَموا. و " الهَوْن " في اللغة : الرفق واللين. ومن قوله صلى الله عليه وسلم :" أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا. وأبْغِض بَغِيضَكَ هَوْناً مَا، عسى أنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا١ ".
وإذا خاطبهم الجاهلون أي : السفهاء بما يكرهون، قالوا سلاماً ؛ سداداً من القول، يَسلمون فيه من الإيذاء والإثم والخَنا. أو : سلمنا منكم سلاماً، أو : سلموا عليهم سلاماً، دليله قوله تعالى : وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ [ القصص : ٥٥ ]، ثم قالوا : سلام عليكم . قيل : نسختها آية القتال، وفيه نظر ؛ فإن الإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعاً ومروءة، فلا ينسخ. وكان الحسن إذا تلا الآيتين قال : هذا وصف نهارهم، ثم قال تعالى : والذين يبيتون لربهم سُجّداً وقياماً : هذا وصف ليلهم.
سورة الفرقان
مكية. وهي سبع وسبعون آية. ومناسبتها لما قبلها : ما في خاتمتها من تعظيم الرسول – عليه الصلاة والسلام – وما افتتحت به من تعظيمه أيضا ؛ لكونه نذيرا للعالمين. وناسب قوله في هذه : الذي له ملك السماوات والأرض ، قوله فيما قبلها : ألا إن لله ما في السماوات والأرض [ النور : ٦٤ ].
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي