وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً هذا كلام مستأنف مسوق لبيان صالحي عباد الله سبحانه، و عباد الرحمن مبتدأ وخبره الموصول مع صلته، والهون مصدر، وهو السكينة والوقار. وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن الهون متعلق ب يمشون أي يمشون على الأرض مشياً هوناً.
قال ابن عطية : ويشبه أن يتأوّل هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشي هوناً مناسبة لمشيه، وأما أن يكون المراد صفة المشيء وحده فباطل، لأنه ربّ ماش هوناً رويداً، وهو ذئب أطلس، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفأ في مشيه كأنما يمشي في صبب. وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً ذكر سبحانه أنهم يتحملون ما يرد عليهم من أذى أهل الجهل والسفه، فلا يجهلون مع من يجهل، ولا يسافهون أهل السفه. قال النحاس : ليس هذا السلام من التسليم إنما هو من التسلم، تقول العرب سلاماً : أي تسلماً منك : أي براءة منك، منصوب على أحد أمرين : إما على أنه مصدر لفعل محذوف : أي قالوا سلمنا سلاماً، وهذا على قول سيبويه، أو على أنه مفعول به : أي قالوا هذا اللفظ، ورجحه ابن عطية. وقال مجاهد : معنى سلاماً سداداً، أي يقول للجاهل كلاماً يدفعه برفق ولين. قال سيبويه : لم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين لكنه على قوله تسليماً منكم، ولا خير ولا شرّ بيننا وبينكم. قال المبرد : كان ينبغي أن يقال : لم يؤمر المسلمون يومئذٍ بحربهم، ثم أمروا بحربهم. وقال محمد بن يزيد : أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة. قال النحاس : ولا نعلم لسيبويه كلاماً في معنى الناسخ، والمنسوخ إلاّ في هذه الآية، لأنه قال في آخر كلامه : فنسختها آية السيف. وأقول : هكذا يكون كلام الرجل إذا تكلم في غير علمه، ومشى في غير طريقته، ولم يؤمر المسلمون بالسلام على المشركين، ولا نهوا عنه. بل أمروا بالصفح، والهجر الجميل، فلا حاجة إلى دعوى النسخ. قال النضر بن شميل : حدّثني الخليل قال : أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت. فإذا هو على سطح، فسلمنا فردّ علينا السلام، وقال لنا : استووا، فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال، فقال لنا أعرابيّ إلى جنبه : أمركم أن ترتفعوا. قال الخليل : هو من قول الله ثُمَّ استوى إِلَى السماء [ البقرة : ٢٩ ] قال : فصعدنا إليه، فقال : هل لكم في خبز فطير ولبن هجير ؟ فقلنا : الساعة فارقناه، فقال : سلاماً، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابيّ : إنه سالمكم متاركة لا خير فيها ولا شرّ. قال الخليل : هو من قول الله وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَعِبَادُ الرحمن قال : هم المؤمنون الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً قال : بالطاعة والعفاف والتواضع. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال هَوْناً علماً وحلماً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً قال : الدائم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ قال : هم المؤمنون لا يسرفون فينفقوا في معصية الله، ولا يقترون فيمنعوا حقوق الله.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني