القرآن يصف عباد الرحمن
الصفة الأولى والثانية
وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا.
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا : سلاما ".
المناسبة :
لما تجاهل المشركون الرحمن، واستكبروا عن السجود له، عرفهم القرآن بالرحمن : بخلقه، وتدبيره وإنعامه، كما مضى في الآيات المتقدمة.
ثم عرفهم بعباده الذين عرفوه بذلك، فآمنوا به وخضعوا له. بما اشتملت عليه هذه الآيات من صفاتهم.
وكما كانت مخلوقات الله المذكورة سابقا دالة عليه، ومعرفة به، بما فيها من آثار قدرته وآثار رحمته، كذلك كان عباده المذكورون أدلة عليه، ومعرفين به، بأقوالهم، وأفعالهم، وهديهم، وسلوكهم ومظاهر آثار رحمة الله عليهم.
فذكروا بعد ذكر تلك المخلوقات، وذكرت هي قبلهم ؛ لأنها كانت أدلة لهم، والدليل سابق على المستدل، سبق المستفاد منه على المستفيد.
تشريف :
وفي تعريف القرآن لعباد الرحمن بعد تعريفه بالرحمن، تشريف كبير لهم، وتبكيت لأولئك المتجاهلين المتكبرين.
ووجه آخر في المناسبة، وهو أنه لما ذكر التذاكر والشكر في الليل والنهار في الآية المتقدمة، ذكر صفات المتذكرين الشاكرين، وما أثمره لهم تذكرهم وشكرهم، ترغيبا في التذكر والشكر.
وقولهم للجاهلين سلاما من مقتضى هونهم ورفقهم، فلذلك قرن به وعطف عليه.
المفردات :
( عباد ) جمع عبد بمعنى المملوك الذليل الخاضع، أو جمع عابد كصاحب وصحاب، وتاجر وتجار : بمعنى المطيع والقائم بما يرضي ربه، والأول هنا أظهر.
( الرحمن ) المنعم الذي تتجدد نعمه في كل آن.
( يمشون على الأرض ) يتنقلون عليها.
( هونا ) هان الأمر يهون هونا بمعنى سهل. ومنه " هو علي هين " أي سهل وشيء هين على وزن فعل أي سهل، ويقال هين بالتخفيف.
ومن صفات المؤمن أنه هين لين، من الهون بمعنى السهولة في أخلاقه ومعاملته.
وفي مسند أحمد عن ابن مسعود مرفوعا :" حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس ".
وهو على ما فسرنا من السهولة في أخلاقه ومعاملته، وذلك هو الذي يقربه من الناس.
وفسر الهون في الآية بالحلم، والوقار، والسكينة، والتواضع والطاعة، وكلها ترجع إلى السهولة واللين.
( خاطبهم ) كلهم. ( الجاهلون ) السفهاء القليلو الأدب السيئو الأخلاق.
والجهل ضد العلم، ويطلق بمعنى السفه والطيش ؛ لأنهما عنه ينشآن.
ومنه قول الشاعر١ :
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ومنه ( الجاهلون ) في الآية.
( سلاما ) السلام كالسلامة معناهما : التعري من الآفات والمكروهات.
التراكيب :
وصلت الجملة بما قبلها بالواو، لاشتراكهما في القصد وهو التعريف بالرحمن وبعباده. وعباد مبتدأ، والذين خبر.
وأضاف العباد للرحمن تخصيصا لهم وتفضيلا وتقريبا، وفيه تعريض بأولئك المتجاهلين المتكبرين المبعدين.
وهونا منصوبا على أنه مفعول مطلق، والتقدير مشيا هونا أو على أنه حال من فاعل يمشون، أي هينين. ومجيء المصدر حالا كثير، ولمصدريته أفراد والموصوف جمع، نظير الزيدون عدل.
إرادة المعنى الأصلي والكنائي :
( ويمشون على الأرض هونا ) تركيب كنائي، أريد به معناه، ولازم معناه :
فهم يمشون برفق وتثبت، لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا، هذا أصل المعنى وهو مراد.
ومراد أيضا لازمه٢ وهو سهولتهم وتواضعهم وعدم تكبرهم ورفقهم في الأمور. وبعدهم عن الإفساد.
ومراد لازم آخر أيضا : وهو سيرهم في الحياة وتصرفهم في جميع الأمور، ومعاملتهم للناس، فإذا كانوا أهل رفق وسهولة في مشيهم في الأرض، فكذلك هم أهل رفق وسهولة في الأمور الأخرى مما ذكرنا ؛ لأن الرفق والسهولة خلق فيهم، فكما هو في المشي هو في غيره.
وكانت الصلة بالمضارع٣ ليفيد التجدد، فإن المشي هو في الأرض ضروري للإنسان.
وكان المعطوف على الصلة بصورة الشرط٤ ؛ لأن خطاب الجاهلين لهم ليس ما يكون دائما.
وكان التعليق بإذا لأن مخاطبة الجاهلين لهم بالسوء أمر محقق.
ومتى سلم أهل العلم والدين من الجاهلين٥ ؟ ! !
ولم يذكر ما يخاطبهم به الجاهلون للعلم بأن خطاب الجاهل أي السفيه لا يكون إلا سوءا مما يمليه عليه جهله وسفهه.
ونصب ( سلاما ) على أنه مفعول مطلق و التقدير : قالوا قولا سلاما، أي ذا سلام، فيشمل كل قول فيه سلامة من الأذى والمكروه : كسلام عليكم، ويغفر الله لكم، وسامحكم الله، ونحو ذلك.
أو نصب على أنه مفعول به، أي قالوا هذا اللفظ، سلاما نفسه.
المعنى :
يقول تعالى : وعباد الرحمن ومماليكه القائمون بحق العبودية له، هم أهل الرفق والسهولة الذين يمشون على الأرض هينين في مشيهم، وفي معالجتهم لشؤون الحياة، ومعاملتهم للناس لحلمهم وتواضعهم، غير مستكبرين ولا متجبرين، ولا ساعين في الأرض بالفساد.
وإذا خاطبهم السفهاء بما لا ينبغي من الخطاب قابلوهم بالحلم، وقالوا لهم : سلاما، لأنهم سلموا من الجهل ؛ فسلم المخاطب لهم من أن يجهلوا عليه ولو جهلوا أو قالوا لهم ما فيه سلامة من الأذى والمكروه.
الأحكام :
المشي
في الآية استحباب الرفق في المشي، وكراهية العنف والاضطراب ومن العنف الضرب بالرجل والخفق بالنعل. فإذا كانا بعجب وخيلاء فهو حرام.
وفيها الإغضاء عن الجاهل ومقابلة كلمته السيئة بالكلام الحسن٦ وكراهة مجاراته في خطابه ومماثلته، وإذا كان في ذلك فتنة أو مفسدة محققة كان حراما.
تمييز :
المشي الهين
ليس من الهون في المشي لتثاقل والتماوت فيه.
وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لجماعة رآهم كذلك :
( لاتميتوا علينا ديننا أماتكم الله ).
وأن عائشة رضي الله عنها، رأت قوما يتماوتون، فسألت عنهم ؟ فقيل لها : هؤلاء قوم من القراء. فقالت : لقد كان عمر من القراء، وكان إذا مشي أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع.
وكان مشيه – رضي الله عنه – إلى السرعة خلقة لا تكلفا. والخير في الوسط.
وليس هون المشي وحده يعرفك بأن صاحبه من عباد الرحمن، فرب ماش هونا رويدا وهو ذئب أطلس. ولكن بالهون في المشي، وبما ذكرنا في فصل التراكيب والمعنى من لوازمه.
بيان ورد
مفاد الآية محكم لا نسخ فيه
اشتملت الآية على بيان الأدب في معاملة الجاهلين من أفراد الناس، سواء أكانوا مسلمين أم غيرهم.
وما اشتملت عليه من الأدب قد جاء في آيات كثير : مثل :" وأعرض عن الجاهلين " ٧
وقوله تعالى " وإذا سمعوا اللغو وأعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين " ٨.
فهو أدب مشروع مؤكد وحكم دائم محكم، وهو في معاملات الأفراد كما ترى.
زعم ورده :
فلا ينافي ما شرع من الحزب عند وجود أسبابها، وتوفر شروطها بين الأمم والجماعات. وهي من الأمور العامة كما ترى.
فبطل قول من زعم أن هذه لآية عند وجود أسبابها، وتوفر شروطها بين الأمم والجماعات. وهي من الأمور العامة كما ترى.
وما أكثر ما قتلت أحكام بآية السيف هذه ! وهي عند التحقيق غير معارضة لها ؛ لمباينة حالها لحالها.
تمثيل واستدلال :
جاء في الصحيح من طرق مجموع ألفاظها :
أن رهطا من اليهود دخلوا على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – فقالوا : السام عليكم ( والسام الموت ) ففهمتها عائشة – رضي الله عنها – فقالت : وعليكم السام واللعنة وغضب الله عليكم. فقال لها رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم :- مهلا يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش : إن الله يحب الرفق في الأمور كلها فقالت له عائشة : أو لم تسمع ما قالوا ؟ فقال لها : أو لم تسمعي ما قلت ؟ رددت عليهم : قد قلت :" وعليكم ".
فيستجاب لي فيهم ( لأنه دعاء بحق ) و لا يستجاب لهم في ؛ ( لأنه دعاء بباطل وظلم ).
فقد خاطبه هؤلاء الجاهلون بالسوء فقال لهم كلمة سالمة من القبح، ليس فيها لفظ الإذاية، وهو السام، بعيدة عن الإفحاش، خالصة للرفق، فهي من العقول السلام : أي ذي السلام من مقتضى الآية على الوجه الأول٩من وجهيها.
ففي الحديث مثال لقول السلام في خطاب الجاهل، ودليل على عموم الحكم وإحكامه.
سؤال وجوابه :
هل تسلم على الكافر ؟
على الوجه الثاني في الآية وهو أنه يقول للجاهل سلاما١٠، يقال : هل يسلم عليه إذا كان كافرا ؟.
فيقال : نعم ؛ كما قال إبراهيم لأبيه " سلام عليك ". وقد قال الله تعالى :" قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ". ولم يستثن إلا قوله لأبيه :" لأستغفرن لك ".
نعم هو سلام موادعة و متاركة، لا سلام تحية وكرمة.
لطيفة تاريخية :
أبلغ جواب :
قالوا : إن إبراهيم بن المهدي العباسي كان منحرفا١١عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- فرآه في النوم قد تقدمه لعبور قنطرة، فقال له إبراهيم : إنما تدعي هذا الأمر يعني الخلافة بامرأة، يعني فاطمة – رضي الله عنها – ونحن أحق به منك. وحكى إبراهيم رؤياه للمأمون، وقال له فما رأيت له بلاغة في الجواب كما يذكر عنه !
فقال له المأمون : فما أجابك به ؟ قال كان يقول لي :" سلاما سلاما " فنبهه المأمون على هذه الآية، وقال : يا عم، قد أجابك بأبلغ جواب ! فخزي إبراهيم واستحيى. ا ه.
فرضي الله عن الإمام الهاشمي ما أبلغه حيا وميتا ! !
توجيه وسلوك :
القول السلام محمود ومطلوب في كل حال، وإنما حالة الجاهل، لأنها الحالة التي تثور فيها ثائرة الغضب بما يكون من سفهه ومهاترته.
فعلى المؤمن أن يكون حاضر البال بهذه الآية عندما تسوق إليه الأقدار جاهلا، فيخاطبه بما لا يرضيه حتى يسلم من شره، ويكسر من شرته فيسلم له عرضه ومروءته ودينه. ويسلم ذلك الجاهل أيضا من اللجاج في الشر والتمادي فيه١٢.
فيكون المؤمن بقوله السلام، وتأدبه بأدب القرآن قد حصل السلامة للجميع.
وأعظم به من فضل وأجر في الدنيا والدين.
وفقنا الله لذلك والمسلمين أجمعين.
والجهل الأول في البيت حقيقي، لأنه بمعنى السفه والطيش، ولكن الثاني من المجهول عليهم، ليس جهلا، لأنه أخذ بالحق وقصاص، وسمي جهلا للمشاكلة، كقوله تعالى :" وجزاء سيئة سيئة مثلها "..
٢ نهي لازم المعنى الأصلي وهو المراد بالكناية..
٣ في يمشون..
٤ وإذا خاطبهم..
٥ لم يسلموا، حتى أغرى بعض السفهاء في الجزائر سفيها على قتل باديس، وهم المجرم بطعنه بالسكين، فأمسكه بن باديس وقبض عليه، وتداركه الناس، ثم عفى عن الجاني، لأنه آلة في يد غيره. وجاهل لا يدري " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما "..
٦ ادفع بالتي هي أحسن..
٧ " خذ العفو، وأمر بالعرف، واعرض عن الجاهلين ". الآية ١٩٩ من الأعراف..
٨ سورة القصص الآية : ٥٥.
٩ وهو كل قول فيه سلام..
١٠ بنص هذه اللفظة..
١١ لا يحبه..
١٢ وداروا سفهائكم..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي