والذين لا يشهدون الزور قال البغوي قال الضحاك وأكثر المفسرين يعني الشرك فإنه شهادة بالزور قلت ويلزم على ذلك التكرار لما مر من قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر وقال علي بن طلحة يعني لا يشهدون على الناس شهادة الزور.
مسألة :
قال البغوي قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلد شاهد الزور أربعبن جلدة ويسخم وجهه ويطاف به في السوق وروى ابن أبي شبية ثنا أبو خالد عن حجاج عن مكحول عن الوليد عن عمر أنه كتب إلى عماله بالشام في شاهد الزور يضرب أربعين سوطا ويسخم وجهه ويحلق رأسه ويطال حبسه وروى عبد الرزاق في مصنفه عن مكحول أن عمر ضرب شاهد الزور أربعين سوطا وقال أخبرنا يحيي بن العلاء أخبرني الأحوص بن الحكيم عن أبيه أن عمر بشاهد الزور أن يسخم وجهه ويلقى عمامته في عنقه ويطاف به في القبائل ومن هاهنا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد أنه يعزر شاهد الزور بالضرب ويوقف في قومه حتى يعرفوا أنه شاهد الزور وزاد مالك فقال ويشهد في الجوامع والأسواق قالوا إنه كبيرة من الكبائر على ما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس رواه الشيخان في الصحيحين وفيها رواه البخاري أنه صلى الله عليه و سلم قال :" ألا أخبركم بأكبر الكبائر ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال : الشرك بالله وعقوق الوالدين ( وكان متكئا فجلس فقال ) : ألا وقول الزور وشهادة الزور " فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " ١ وقرن الله تعالى بينها وبين الشرك حيث قال : فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ٢ فإذا كان كبيرة وليس فيها تقدير شرعي في الحد ففيها التعزير وقال أبو حنيفة يكتفي في تعزيره بالتشهير ولا يضرب ولا يحبس فإن المقصود الإنزجار ويحصل ذلك بالتشهير وأما الضرب وغير ذلك فمبالغة في الزجر لكنه يقع مانعه من الرجوع وشهادة الزور لا يظهر إلا بالإقرار والرجوع فوجب التخفيف نظرا إلى هذا الوجه وأثر عمر محمول على السياسة ومثل مذهب أبي حنيفة روي عن شريح روى محمد بن الحسن في كتاب الآثار من طريق أبي حنيفة عن أبي الهيثم عمن حدثه عن شريح أنه كان إذا أخذ شاهد الزور فإن كان من السوق قال للرسول قل لهم أي لأهل السوق إن شريحا يقرئكم السلام ويقول لكم إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه فإن كان من العرب أرسل إلى مسجد قومه أجمع ما كانوا فقال للرسول مثل ما قال في المرة الأولى وكذا روى ابن أبي شيبة عن شريح وقال ابن جريج المراد بشهادة الزور الكذب مطلقا وقيل معنى الآية لا يحضرون مجالس الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه فلا يجوز أن يسمع قصة فيها أباطيل أو يقرأ شعرا كذلك قال مجاهد يعني لا يحضر أعياد المشركين وقيل المراد به النوح وقال قتادة لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم وقال محمد بن الحنفية لا يشهدون اللغو والغناء قال ابن مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع قال البغوي وأصل الزور تحسين الشيء ووضعه على خلاف صفته فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق قلت الزور في اللغة الميل قال الله تعالى : تزاور عن كهفهم ٣ وفي الكذب ميل من الحق إلى الباطل وكذا في كل لغو وفي القاموس الزور بالضم الكذب والشرك بالله وأعياد اليهود والنصارى والرئيس ومجلس الغناء وما يعبد من دون الله والقوة قلت : وهذه الآية يصلح كل ما ذكر من المعاصي إلا الرئيس والقوة وإذا مروا باللغو مروا كراما عطف على لا يشهدون الزور فهما صلتان لموصول واحد والأظهر في وجه إشتراكهما أن يراد بالزور المعاصي كلها بالشهود الحضور وباللغو أيضا المعاصي كلها كما قال الحسن والكلبي والمعنى الذين لا يحضرون مجالس المعاصي باختيارهم وإذا مروا هناك اتفاقا وإكراما مسرعين معرضين غير مقبلين عليه يقال كرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عنه وقال مقاتل معنى الآية وإذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا وهو رواية ابن جريج عن مجاهد نظيره وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ٤ قال السدي هي منسوخة بآية القتال قلت بل هي غير منسوخة إذا القتال منته بإعطاء الجزية ولا يجوز القتال بالشتم والأذى.
٢ سورة الحج الآية: ٣٠..
٣ سورة الكهف الآية: ١٧..
٤ سورة القصص الآية: ٥٥..
التفسير المظهري
المظهري