الصفة التاسعة :
" والذين لا يشهدون الزور... "
المناسبة :
لما وصفهم بالصفات المتقدمة الدالة كلها على كمال أخلاقهم، واستقامة أعمالهم في ظواهرهم وبواطنهم، بانبنائها على قوة إيمانهم و صحة عملهم، فكانوا أهل الحق المتصفين به في علمهم وعملهم، القائمين عليه في جميع أحوالهم – وصفهم هنا ببعدهم عن الباطل ومشاهده ومجانبتهم لأهله.
المفردات :
الشهود : هو الحضور الذي يكون فيه إدراك بالحواس أو بالبصيرة.
والشهادة : هي الإخبار عن علم حصل عن شهود. و ( لا يشهدون ) يحتمل أن يكون من الشهود، وأن يكون من الشهادة. و ( الزور ) أصله الميل ويطلق على الكذب، لأنه ميل عن الحقيقة، وعلى كل باطل من الأقوال والأعمال، لأنه ميل عن الحق.
التراكيب :
إذا كان لا يشهدون بمعنى لا يحضرون، فالزور مفعول به. وإذا كان بمعنى لا يخبرون فالزور مفعول مطلق بعد حذف المضاف. والأصل : و لا يشهدون شهادة الزور.
المعنى :
على الاحتمال الأول : والذين لا يحضرون مشاهدة الباطل والإثم من كل مجلس تتعدى فيه الحدود، أو تنتهك فيه الحرمات، أو يحكم فيه بالجور أو تعظيم فيه الطواغيت، أو يدعى فيه بدعوى الجاهلية، أو تحيا فيه معالم الوثنية، أو تطمس فيه السنة النبوية، أو يدعى فيه أحد مع الله، أو يضرع إلى سواه.
و على الاحتمال الثاني : والذين لا يشهدون شهادة الزور و لا يخبرون إلا بالحق الواقع.
ترجيع وترجيح :
يلزم أنهم لا يشهدون مشاهدة الباطل أنهم لا يشهدون بالزور لوجهين :
الأول : لأنهم إذا كانوا لا يحضرون مجالس الباطل فبالأحرى أنهم لا يقولونه.
والثاني : أن مشهد شهادة الزور من مشاهد الباطل التي لا يحضرونها ؛ فيكون الوجه الأول أولى لأنه أشمل.
توسع في البيان :
على أنه من بلاغة القرآن أن تأتي مثل هذه الآيات بوجوه من الاحتمالات متناسبات غير متناقضات ؛ فتكون الآية الواحدة بتلك الاحتمالات كأنها آيات : نظير مجيء الآية بقراءتين، فتكون كآيتين مثل قوله تعالى :" إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ".
و قوله تعالى و آية الوضوء :" وأرجلكم " بالنصب عطفا على الوجه فيفيد غسل الأرجل، وتلك هي الحالة الأصلية العامة. وبالخفض عطفا على الرؤوس فيفيد مسح الأرجل وتلك هي حالة الرخصة عند لبس الخفاف.
فتكون هذه الآية باحتمالها مفيدة عن شهود الباطل، وعن شهادته.
موعظة :
قال جار الله١ في الكشاف، عن هؤلاء الموصوفين من عباد الرحمن :
البعد عن مجالس الخطائين :
إنهم ينفرون عن محاضر الكذابين، ومجالس الخطائين فلا يحضرونها، ولا يقربونها ؛ تنزها عن مخالطة الشر وأهله ؛ وصيانة لدينهم عما يمثله لأن مشاهدة الباطل شركة فيه.
و لذلك قيل في النظارة إلى كل ما لم تسوغه الشريعة : هم شركاء فاعليه في الإثم، لأن حضورهم دليل الرضا به وسبب وجوده والزيادة فيه ؛ لأن الذي سلط على فعله هو استحسان النظارة ورغبتهم في النظر إليه٢ا ه.
وهذا كما قال ؛ فإن حضور مشاهد الباطل إقرار لأهلها عليها، وترك للنهي عن المنكر. وقد قال الله تعالى :
" لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ".
و قال تعالى :" وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ".
فتعم الآية كل ظالم، فلا تجوز لأحد مجالستهم مع ترك النكير عليهم، و لا يكفي أن ينكر و يجلس ؛ لأنه يكون ببقائه معهم قد أظهر ما يدل على الرضا بفعلهم، ونقض بالفعل إنكاره عليهم بالقول.
لعنة الحضور :
و روى الطبراني و البيهقي بإسناد حسن عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال : رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم - :
" لا يفقهن أحدكم موقفا يقتل فيه رجل ظلما، فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه ".
فأخبر أن اللعنة تنزل على الحاضرين لعدم دفعهم، واقتضى أنهم غير راضين بقلوبهم، وأحرى إذا رضوا.
فلا يجوز من هذا الحديث وغيره حضور الظلم والقبائح مع عدم دفعها، ولو مع عدم الرضا بها.
و روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال لأصحابه لما وصلوا الحجر – ديار ثمود :
" لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم ".
فإذا كان هذا فيمن ماتوا من أهل العذاب، فمثلهم مجالس أهل السوء والفساد، فإذا نزلت اللعنة والعذاب عمتهم ومن كان معهم٣.
جريمة الزور :
وشهادة الزور المرادة بالنص على الوجه الثاني٤، أو اللزوم على الوجه الأول٥من أكبر الذنوب إثما، وشر الكبائر مفسدة تنقلب بها الحقائق، وتضيع بها الحقوق، وتبطل المعاملات، وتزول الثقة بين الناس، وتتعرض النفوس والأموال والأعراض للأذى والشر، وتنعدم طمأنينة الناس على ما يعلمون من أنفسهم.
وصح عنه – عليه وآله الصلاة والسلام – أنه قال :
" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، وقول الزور. وكان متكئا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا – شفقة عليه – ليته سكت ".
فجلس لها، وبقي يكررها، لعظم شرها، و كبر مفسدتها، وعظم الإثم فيها على حسب ذلك منها.
أعاذنا الله والمسلمين منها ومن كل زور.
الصفة العاشرة :
" وإذا مروا باللغو مروا كراما ".
( سورة الفرقان : الآية ٧٢ )
المناسبة :
نفي عنهم فيما تقدم حضور مشاهد الزور، وأخبر هنا أنهم لا يقفون عند اللغو، عندما يمرون عليه، ترقبا في وصفهم بالبعد عن الباطل والإثم والعبث، ومجانبة أهله.
المفردات :
( اللغو ) : مصدر لغا يلغو أي قال باطلا فهو القول الباطل، ومثله الفعل الباطل من كل ما لا فائدة فيه ؛ و لا نتيجة له، مما شأنه أن يلغى ويطرح.
( والكريم ) : الخالص العنصر فهو الزكي غير المتدنس، ومن مقتضى ذلك حسن أخلاقه، واستقامة أعماله، وسلامته من الرذائل.
( كراما ) : حال من فاعل مروا الثاني، ليبين وصفهم عند المرور.
المعنى :
وإذا مروا في طريقهم بقول يقال، أو فعل يفعل مما لا فائدة فيه جاوزوه معرضين عنه، أزكياء غير متدنسين بشيء منه، ولا ملتفين لأهله.
موعظة :
في الإقبال على اللغو شغل للبال به، وتكدير للخاطر بظلمته، وتضييع للوقت فيه، ولكل كلمة تسمعها أو فعلة تشهدها أثر في حياتك وإن قل.
وقد يعقبها ضدها فتزول بعدما شغلت وعطلت. وقد يردفها مثلها فتثبت وتنمو وتسوء عاقبتها ولو بعد حين.
وبقدر ما تلتفت إلى اللغو تلتفت عن كرمك، وبقدر ما يعلق بك منه ينقص من ذكائك.
و بقدر ما تتساهل بالوقوف عليه تقرب من الدخول فيه، وإذا دخلت فيه واستأنست بأهله جرك إلى الزور وعظائم الأمور٦.
ولشر أسباب متواصلة، وأنساب متصلة يؤدي بعضها إلى بعض، فينتقل المغرور الغافل في خفيها إلى رجليها، ومن صغيرها إلى كبيرها٧.
فالحازم من لم يسامح نفسه في قليلها، و يباعد كل البعد عنها وعن أهلها٨، وقد هدتنا هذه الآيات لنهتدي، وذكرت عباد الرحمن لنقتدي.
٢ فكأنهم محرضون. ولذا لو أهملنا الكاسيات العاريات في الطرقات، و لم ننظر إليهم، لثن إلى رشدهن، ورجعن عن غيهن..
٣ والنقمة تعم، والنعمة تخص..
٤ شهادة الزور..
٥ عدم مشاهدة الباطل..
٦ فالشر يعدي كما يعدي الأجرب السليم..
٧ ومعظم النار من مستصغر الشرر..
٨ فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي