جزاء عباد الرحمن
" أولئك يجزون الغرفة بما صبروا، ويلقون فيها تحية وسلاما.
خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما ".
المناسبة وفقهها :
لما ذكر في الآيات المتقدمة صفاتهم وأعمالهم، ذكر ما أعد لهم من عظيم الجزاء على تلك الأعمال، تنبيها على ما وضعه تعالى، بمشيئته وحكمته ورحمته، من الارتباط بين هذه الأعمال، وهذا الجزاء، وإفضائها إليه، إفضاء السبب لمسببه ؛ ليسعى الراجون لهذا الجزاء من طريق هذه الصفات وهذه الأعمال، كما يسعى لسائر المسببات من طريق أسبابها، وتؤتى جميع الأمور من أبوابها.
وفي هذا حث لأهل هذه الأعمال على التمسك بما هم به عاملون.
وتنبيه لأهل الغرور على بطلان ما هم به مغترون، والكيس من دان١وعمل لما بعد الموت،
والعاجز من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني ).
المفردات :
( يجزون ) : يعطون في مقابلة أعمالهم.
( الغرفة ) : البيت الأعلى فوق بيت، وأل فيه لجنس، فيصدق بالمتعدد.
( صبروا ) : حبسوا نفوسهم. والباء فيه سببية.
( يلقون ) : من لقى بمعنى يجدون، ويلقون من لقى بمعنى تلقيهم الملائكة أي تقابلهم وتتلقاهم.
( تحية ) : دعاء بالحياة. ( سلاما ) : دعء بالسلامة.
( خالدين ) : باقين. ( مستقرا ) هو المكان الذي ينتهي إليه من غيره ويثبت فيه.
( مقاما ) : هو المكان يقام ويمكث فيه.
التراكيب :
جملة ( أولئك ) مستأنفة بيانية، فإن تلك الصفات والأعمال تشوق السامع إلى معرفة مآلهم، وثمرة أعمالهم، فيسأل عنهما ؛ فكانت الجملة جوابا لذلك السؤال المقدر٢.
وعرف المسند إليه٣بالإشارة تنبيها على استحقاقه للمسند٤ كان بما تقدم من صفات.
وجملة ( حسنت ) مستأنفة بيانية ؛ لأن من عرف حالتهم من الحياة والسلامة والبقاء، يتشوف لمعرفة حال مكان هذا السؤال المقدر. وهي إنشائية أفادت إنشاء مدح الغرف بالحسن، وتعظيم ذلك الحسن.
وقدم المستقر ؛ لأن أول الحلول استقرار، والمقام ببقاء الاستقرار واستمرار المكث.
المعنى :
أولئك الذين ذكرت صفاتهم وأفعالهم، يعطون جزاء أعمالهم البيوت العلالي في الجنة، بسبب صبرهم، وحسبهم لأنفسهم على الطاعات والمجاهدات وكفهم لها عن المعاصي والشهوات.
وتتلقاهم الملائكة بالتحية والسلام، باقين في هذا النعيم٥المقيم، وسكنى علالي الجنة التي هي أحسن مستقر، ينتهي إليها الإنسان، مقام يمكث فيه.
تطبيق حديث وفقهه :
من صفات أهل الجنة :
" روى الشيخان٦عن أبي سعيد الخذري ( رضي الله عنه ) أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قال :
" إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب، لتفاضل ما بينهم.
قالوا يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟
قال : بلى، - والذي نفسي بيده – رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ".
فهذا الحديث بين أن أهل الغرف هم أكمل المؤمنين، وأعلاهم درجة في الجنة بهذا المقدار من البعد، فهم الموصوفون بالصفات المذكورة في الآية المتقدمة على أتمها. ومن لم يكن مثلهم فيها م يكن في منازلهم التي جوزوا بها عليها. وكان على حسب حظه من الإيمان، في منزلة من منازل أهل الجنة الذين يتراءون أهل الغرف.
فدرجات أهل الجنة في منازلهم على حسب سلوكهم في أعمالهم :
" م حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون. وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " ٧.
دلالة :
سبب الفوز :
دلت الآية على السبب الذي أفضى بهم إلى هذا الجزاء العظيم، وهو أعمالهم.
ودلت على السبب الذي تمكنوا به من القيام بهذه الأعمال، وهو الصبر لقوله تعالى :" بما صبروا ".
ومن أعظم الحكمة معرفة الأسباب والمسببات، وارتباط بعضها ببعض، فلا ينهض بامتثال المأمورات وترك المنهيات إلا من صبر، والصبر خلق من الأخلاق التي تتربى وتنموا بالمران والدوام، فواجب على المكلف أن يجعل تربية نفسه عليه، وتعويدها به من أكبر همه، إذ لا يقوم بالتكاليف الشرعية إلا به. بل ولا يستطيع الحياة في هذه الدار الدنيا الموضوعة على المحنة والابتلاء إلا تمسك بسببه٨.
بيان القرآن للقرآن :
في هذه الآية : إنهم يلقون تحية وسلاما ؛ وقد بين من يتلقاهم بذلك في قوله تعالى :
" وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ". فالملائكة هم الذين يتلقونهم في السلام، والدعاء لهم بالطيب، وهو مما يدخل في التحية ؛ لأن من طيبهم طيب حياتهم.
وما أكثر ما تجد في القرآن ! !، فاجعله من بالك تهتد – إن شاء الله – إليه.
اقتداء ورجاء :
هؤلاء السالكون، وما ذكر من أعمالهم وأحوالهم هو سلوكهم ؛ ولما سلكوا الصراط المستقيم، بالعمل المستقيم، انتهى بهم السير إلى أحسن قرار ومقام، إلى دار النعيم المقيم، في جوار الرحمن الرحيم.
فإذا اشتقت إلى نهايتهم فتمسك ببدايتهم، وزن أعمالك بأعمالهم.
وأحوالك بأحوالهم، فإذا جعلت ذلك من همك، وحملت عليه نفسك بصادق عزمك، وصبرت كما صبروا رجوت أن تظفر بما ظفروا.
فالله نسأل لنا ولك وللمسلمين صحة الاقتداء، وصدق الرجاء، وحسن الجزاء.
" ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ".
٢ أي فما جزاؤهم على تلك الصفات؟.
٣ أولئك..
٤ يجزون...... الخ.
٥ والعظمة في نعيم الجنة بقاؤه واستمراره..
٦ البخاري ومسلم..
٧ الجاثية الآيتان: ٢١ – ٢٢..
٨ ولذا ذكر في القرآن العظيم أكثر من سبعين مرة..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي