الغرفة : العلّية أو المسكن العالي.
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال : أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال : أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ . ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى آخر الآية قال أهل مكة : قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول : إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.
ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :
إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس : ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال : لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان إلا من تاب فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ومن يقتل مؤمنا متعمدا [ النساء : ٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.
التفسير الحديث
دروزة