الغرفة الجنة، أودرجة عالية في دار النعيم، أو القصر المشيد في الجنة.
الآية الرابعة والسبعون بينت الوصف الحادي عشر لعباد الرحمان، وقد وصفوا في الآيات السابقات، وأخبر عنهم من أول قوله تعالى : وعباد الرحمان.. بعشر صفات : التواضع، والحلم، والتهجد، والخوف، وترك الإسراف والإقتار، والبراءة من الشرك والزنى والقتل، والتوبة، وتجنب الباطل والزور والعفو عن المسيء، وقبول المواعظ، وهذه ضراعة إلى الله تعالى أن يهبنا الأزواج الصالحات، والأولاد الطائعين الصالحين، ليكونوا بركة علينا في الدنيا والدين، وتنشرح بهم صدورنا، وتهنأ أعيننا فلا تمتد إلى ما عند الآخرين- وقد يراد بقرة العين بردها وبرد دمعها وذلك لا يكون إلا عند السرور- واجعلنا ياربنا ممن يقتدى بهم في الدين، كما دعاك بهذا خليلك إبراهيم :).. قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي.. ( ١.
أولئك خبر عباد الرحمان - على ما ذهب إليه الزجاج- يجزيهم الله تعالى مبوأ صدق، ويسكنهم المساكن الطيبة في دار الخلد والكرامة، ويؤتيهم سبحانه ما وعدهم :)لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد( ٢ ).. إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون( ٣ ) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين( ٤، جزاء لهم على صبرهم على طاعات الله تعالى وأداء أمانته، وصبرهم عن معاصي الله، وصبرهم على الوفاء بعهد ربهم والجهاد في سبيله وعلى السراء والضراء وحين البأس، وتتلقاهم الملائكة بالسلام، ويحيينا ربنا بالسلام ) تحيتهم يوم يلقونه سلام.. ( ٥، ويخلدون في هذا النعيم، ويمكثون أبدا في هذا التكريم، وأنعم بهذا الجوار وهذا القرار، قل يامحمد للناس جميعا : لولا ضراعتكم لربكم لم يبال بكم، ولم يعبأ بشأنكم، ولم يكن لكم عنده شأن ولا وزن، وما قدركم لو لم تدعوه ؟ ! فقد كذبتم معاشر الجاحدين، فسوف يلازمكم جزاء المستكبرين المنكرين، ويحل بكم ما أعد لكم في هذه الدنيا وفي يوم الدين، - وقيل ما يعبأ بكم أي بمغفرة ذنوبكم ولا هو عنده عظيم لولا دعاؤكم معه الآلهة والشركاء... وقال الطبري : لزاما يعني عذابا دائما لازما، وهلاكا مضنيا يلحق بعضكم ببعض-٦.
[ قوله : من أزواجنا من للبيان، وتسمى في علم البيان تجريدية، كأنه قيل : هب لنا قرة أعين ! ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية... ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى : هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا... عن محمد بن كعب : ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله... وقيل : سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم، وتنكير أعين ... لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا تنكير المضاف إليه، أي : هب لنا منهم سرورا وفرحا.. وقال المفضل : في قرة العين ثلاثة أقوال : أحدها- برد دمعها، لأنه دليل السرور والضحك، كما أن حره دليل الحزن والغم، الثاني- قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن، الثالث- حصول الرضا وقوله : إماما في معنى الجمع... كما قال :)يخرجكم طفلا.. ( ٧..... بما صبروا ... أطلق إطلاقا ليشمل كل مصبور عليه... وقال الزجاج : ما يعبأ بكم ربي يريد أي وزن يكون لكم عنده ؟... و ما استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول، أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة- ).. لئلا يكون للناس على الله حجة( ٨وإما إلى الفاعل، أي لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله :)فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله.. ( ٩ أو : لولا شكركم على إحسانه، كقوله :)ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم.. ( ١٠ ]١١
نقل ابن كثير عن الإمام أحمد- بسنده- عن ابن نفير قال : جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوما فمر به رجل فقال : طوبى لهاتين العينين اللتين رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت، فاستغضب المقداد، فجعلت أعجب لأنه ما قال إلا خيرا، ثم أقبل إليه فقال : ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضرا غيبه الله عنه لا يدري لو شهده كيف يكون فيه ؟ والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام أكبهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه، أولا تحمدون الله إذ أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعرفون إلا ربكم، مصدقين بما جاء نبيكم، قد كفيتم البلاء بغيركم ؟ لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشر حال بعث عليها نبيا من الأنبياء، في فترة جاهلية مما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان ! فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل وفرق بين الوالد وولده، إن كان الرجل ليرى والده وولده وأخاه كافرا وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وأنها التي قال الله تعالى : والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه. اهـ
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب