قوله : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ ، قال الحسن : المال لأن النبوة عطية مبتدأة لا تورث١، وقال غيره : بل النبوة والعلم والملك دون سائر أولاده٢، ولو تأمل الحسن لعلم أن المال لا يورث من الأنبياء، لقوله عليه السلام٣ :«نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَث مَا تَرَكْنَاهُ صدقة »٤، وأيضاً فإن المال إذا ورثه الولد فهو أيضاً عطية مبتدأة من الله تعالى، ولذلك يرثه الولد إذا كان مؤمناً، ولا يرث إذا كان كافراً أو قاتلاً، ولا كذلك٥ النبوة، لأن الموت٦ لا يكون سبباً لنبوة الولد٧، وكان لداود تسعة عشر ابناً، وأعطي سليمان ما أعطي داود من الملك، وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين، قال مقاتل : كان سليمان أعظم ملكاً من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبداً من سليمان، وكان سليمان شاكراً لنعم الله٨.
وَقَالَ يا أيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير ، يعني صوته، سمي صوت الطير منطقاً، لحصول الفهم منه كما يفهم من كلام الناس، روي عن كعب قال : صاح ورشان٩ عند سليمان عليه السلام١٠، فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا، قال : إنه يقول : لدوا للموت، وابنوا١١ للخراب، وصاحت فاختة١٢، فقال : أتدرون ما تقول ؟ قالوا لا، قال فإنها تقول : ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح١٣ الطاووس١٤ فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا، قال : فإنه يقول : كما تدين تدان، قال : وصاح هدهد، فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا، قال : فإنه يقول : استغفروا الله يا مذنبين، وصاحت طيطوى١٥، فقال أتدرون ما تقول ؟ قالوا لا، قال فإنه يقول : كل حي ميت، وكل جديد بال وصاح خطاف١٦، فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا، قال : فإنه يقول : قدّموا خيرًا تجدوه، وهدرت حمامة فقال : أتدرون ما تقول ؟ قالوا : لا، قال : فإنها تقول : سبحان ربي الأعلى ( ملء سمائه وأرضه، وصاح قمري١٧، فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا، قال : فإنه يقول : سبحان ربي الأعلى )١٨، قال : والغراب يدعو١٩ على العشَّار، والحدأة تقول :
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [ القصص : ٨٨ ]، والقطاة٢٠ تقول : من سكت سلم، والببغاء٢١ : ويلٌ لِمَنِ الدُّنْيَا هَمُّهُ، والضفدع يقول : سبحان ربِّي القدُّوس، والبازي٢٢ يقول : سبحان ربي وبحمده٢٣. وعن مكحول٢٤ قال : صاح دُرَّاج٢٥ عند سليمان، فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا، قال : فإنه يقول : الرحمن عَلَى العرش استوى ٢٦ [ طه : ٥ ].
قوله : وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ تؤتى الأنبياء٢٧ والملوك، قال ابن عباس : من أمر الدنيا والآخرة٢٨. وقال مقاتل : يعني النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والريح٢٩ إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين ، والمراد بقوله : وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ كثرة ما أوتي، لأن كثرة المشاركة سبب لجواز الاستعارة، فلا جرم يطلق لفظ الكل على الكثرة، كقوله وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ٣٠ [ النمل : ٢٣ ] وقوله : إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين ، أي : الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا، روي أن سليمان أعطي ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة ( سنة )٣١ وستة أشهر، ملك جميع أهل٣٢ الدنيا من الجن والإنس والدواب والطير والسباع، وأعطي على ذلك منطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة٣٣.
فقوله : إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين تقرير لقوله : الحمد لِلَّهِ الذي فَضَّلَنَا والمقصود منه : الشكر والمحمدة، كما قال عليه السلام٣٤ :«أَنَّا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ »٣٥.
فإن قيل : كيف قال٣٦ «عُلِّمنا » و «أُوتِينَا »، وهو كلام المتكبر ؟ فالجواب من وجهين،
الأول : أن يريد نفسه وأباه.
والثاني : أن هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع، وكان ملكاً مطاعاً٣٧.
٢ المرجع السابق..
٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٤ أخرجه البخاري (فرض الخمس) ٢/١٨٦، (فضائل أصحاب النبي) ٢/٣٠١، (مغازي) ٣/١٦، (نفقات) ٣/١٨٧، (فرائض) ٤/٢١٤، مسلم (جهاد) ٣/١٣٧٧، ١٣٨٢، ١٣٨٣ أبو داود (إمارة) ٣/٣٦٥-٣٧١، الترمذي (سير) ٣/٨٢، ومالك (كلام) ٢/٩٩٣، أحمد ١/٤، ٦، ٩، ١٠، ٢٥، ٤٧، ٤٨، ٢/٤٦٣، ٦/١٤٥، ٧٦٢..
٥ في ب: وكذلك وهو تحريف..
٦ في النسختين: النبوة. والتصويب من الفخر الرازي..
٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٦..
٨ انظر البغوي ٦/٢٦٤..
٩ الورشان: طائر من الفصيلة الحمامية، أكبر قليلا من الحمامة المعروفة، يستوطن أوربة، ويهاجر في جماعات إلى العراق والشام، ولكنها لا تمر بمصر، والجمع ورشان ووراشين. المعجم الوسيط (ورش)..
١٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١١ في ب: وانموا..
١٢ الفاختة: ضرب من الحمام المطوق إذا مشى توسع في مشيه وباعد بين جناحيه وإبطيه وتمايل، والجمع: فواخت. المعجم الوسيط (فخت)..
١٣ في ب: وصاحت..
١٤ الطاووس: طائر حسن الشكل كثير الألوان، يبدو كأنه يعجب بنفسه وبريشه ينشر ذنبه كالطاق، يذكر ويؤنث، والجمع طواويس وأطواس. المعجم الوسيط (طوس)..
١٥ الطيطوى: ضرب من القطا طوال الأرجل. اللسان (طيط)..
١٦ الخطاف: هو ضرب من الطيور القواطع، عريض المنقار دقيق الجناح طويله، منتفش الذيل والجمع: خطاطيف. المعجم الوسيط (خطف)..
١٧ القمري: ضرب من الحمام مطوق حسن الصوت، والجمع: قمر. والأنثى قمرية، والجمع: قماري المعجم الوسيط (قمر)..
١٨ ما بين القوسين سقط من ب..
١٩ في ب: يدعوا..
٢٠ القطاة: واحدة القطا، وهو نوع من اليمام، يؤثر الحياة في الصحراء ويتخذ أفحوصه في الأرض، ويطير جماعات، ويقطع مسافات شاسعة، وبيضه مرقط، والجمع: قطا، وقطوات، وقطيات. المعجم الوسيط (قطو)..
٢١ الببغاء: طائر من الفصيلة الببغاوية يطلق على الذكر والأنثى، يتميز بمنقار معقوف، وأربع أصابع في كل رجل، وله لسان لحمي غليظ، ومن أشهر أوصافه أنه يحاكي كلام الناس. المعجم الوسيط (ببغ)..
٢٢ البازي: جنس من الصقور الصغيرة أو المتوسطة الحجم، من فصيلة العقاب النسرية، تميل أجنحتها على القصر، وتميل أرجلها وأذنابها إلى الطول، ومن أنواعه الباشق والبيدق، والجمع: بواز، وبزاة. المعجم الوسيط (بزا)..
٢٣ انظر البغوي ٦/٢٦٤-٢٦٥..
٢٤ تقدم..
٢٥ الدراج: نوع من الطيور يدرج في مشيه. المعجم الوسيط (درج)..
٢٦ انظر البغوي ٦/٢٦٥..
٢٧ الأنبياء: سقط من ب..
٢٨ انظر البغوي ٦/٢٦٥..
٢٩ المرجع السابق..
٣٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٨٦..
٣١ سنة: تكملة من البغوي..
٣٢ أهل: سقط من ب..
٣٣ انظر البغوي ٦/٢٦٥-٢٦٦..
٣٤ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣٥ أخرجه الترمذي (تفسير) ٤/٣٧٠، أبو داود (سنة) ٥/٥٤، أحمد ١/٢٨١، ١٩٥، ٢٨٣، ١٤٤..
٣٦ في ب: قد. وهو تحريف..
٣٧ انظر الكشاف ٣/١٣٦، الفخر الرازي ٢٤/١٨٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود