وورث سليمان داوود نبوته وملكه وعلمه كذا أخرج عبد بن حميد وابن منذر وابن أبي حاتم عن قتادة واحتجت الروافض بهذه الآية على أن الأنبياء يورثون كغيرهم وهي حجة عليهم لا لهم لدلالتها على انه ورث سليمان دون سائر الأولاد وقد كان لداوود تسعة عشر إبنا. والإرث عبارة عن أن ينقل شيء إلى أحد بعدما كان لغيره من غير عقد جرى بينهم ولا يجري مجرى العقد سواء كان بينهما قرابة أو لا قال الله تعالى : وأورثناها بني إسرائيل ١ وأورثكم أرضكم وديارهم ٢ ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم " لا نورث " أنه لا يملك أحد من الناس مال نبي بعد موته بل يكون ما له موقوفا محبوسا على ملك الله تعالى قال البغوي أعطى سليمان ما أعطى داود وزيد له تسخير الريح والشياطين وقال وقال مقاتل كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه وكان داود أشد تعبدا من سليمان وكان سليمان شاكرا لنعم الله قلت وكذا داود وقال سليمان يأيها الناس علمنا منطق الطير فيه شكر لنعمة الله عليه ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة والنطق والمنطق عبارة عما يعبر به عما في الضمير مفردا كان أو مركبا في القاموس نطق ينطق نطقا ومنطقا ونطوقا تكلم بصوت وحروف يعرف بها المعاني ولما كان فهم المعاني للناس منحصرا فيما يتلفظ به الإنسان زعموه من خواص الإنسان ولما كان سليمان عليه السلام بفهم من صوت الطير ما في ضميرها كما كان يفهم من كلام الإنسان سماه منطقا قال البغوي روى عن كعب قال صاح ورشان عند سليمان فقال أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا قال إنه يقول : لدوا للموت وابنوا للخراب وصاحت فاختة فقال أتدرون ما تقول : قالوا لا قال إنها تقول ليت هذا الخلق لم يخلق وصاح طاووس فقال أتدرون ما يقول : قالوا لا قال أنه يقول كما تدين تدان وصاح هدهد فقال أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا قال إنه يقول من لا يرحم لا يرحم وصاح صرد فقال أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا قال إنه يقول استغفروا الله يا مذنبون قال وصاحت طيطوى فقال أتدرون ما تقول ؟قالوا لا قال فإنها تقول كل حي ميت وكل جديد بال وصاح خطاف فقال أتدرون ما تقول ؟ قالوا لا قال إنه يقول قدموا خيرا تجدوه وهدرت حمامة فقال أتدرون ما تقول ؟ قالوا لا قال تقول سبحانه ربي الأعلى ملأ سماواته وأرضه وصاح قمري فقال أتدرون ما يقول ؟ قالوا لا قال فإنه يقول سبحان ربي الأعلى قال والغراب يدعوا على العشاء والحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله والقسطاة تقول من سكت سلم والببغاء يقول ويل لمن الدنيا همه والضفدع يقول سبحان ربي القدوس والبازي يقول سبحان ربي وبحمده والضفدعة سبحان المذكور بكل لسان وعن مكحول قال صاح دراج عند سليمان فقال أتدرون ما يقول قالوا لا قال فإنه يقول الرحمن على العرش استوى وعن فرقد السبحي قال مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال أتدرون ما يقول هذا البلبل ؟ قالوا الله ونبيه أعلم قال إنه يقول أكلت ونصف تمرة فعلى الدنيا العفا.
وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس إنا سائلون عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمنا وصدقنا قال سلوا تفقها ولا تسألوا تعنتا قالوا اخبرنا ما يقول القنبري في صفيره والديك في صقيعة والضفدع في نقيقه والحمار في نهيقه والفرس في صهيله وماذا يقول الزرزور والدراج قال : نعم أما القنبر فيقول اللهم العن مبغضي محمد ومبغضي آل محمد والديك يقول اذكروا الله يا غافلون والضفدع يقول سبحان المعبود في لجج البحار وأما الحمار فيقول اللهم العن الغشار وأما الفرس يقول إذا ألتقى الصفان سبوح قدوس رب الملائكة والروح وأما الزرزور يقول اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم وأما الدراج يقول الرحمن على العرش استوى فأسلم اليهود وحسن إسلامهم وروي عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي عليهم السلام قال إذا صاح النسر قال ابن آدم عشت ما شئت آخره الموت وإذا صاح العقاب قال السلامة في البعد من الناس وإذا صاح القنبر قال إلهي العن مبغضي آل محمد وإذا صاح الخطاف قرأ الحمد لله رب العالمين ويمد الضالين كما يمد القارئ قلت ما روي عن كعب شرح أصوات الطيور عن سليمان عليه السلام وكذا ما روي عن مكحول وعن فرقد عنه عليه السلام يحتمل حمله على أن كل واحد منها واقعة ولا يدل على انحصار نطقهم في الكلمات المذكورة وما قص الله تعالى في هذه السورة قصة النمل والهدهد صريح في أنها تتكلم بكل ما سنح لها لكن ما روي من سؤال اليهود وعن ابن عباس رضي الله عنه وجوابه إياهم يدل على انحصار مقالتهم فيما ذكر فإن صح هذه الرواية لزم تأويلها والله أعلم وأوتينا من كل شيء ٣ المراد به كثرة ما أوتي كما يقال فلان يقصد كل أحد ويعلم كل شيء ومثله وأوتيت من كل شيء والضمير في علمنا وأوتينا له ولأبيه عليهما السلام أوله ولأتباعه فإن أتباعه يأ خذون منه ما علمه الله وأعطاه أوله وحده تعظيما على عادة المدلول لمراعاة قواعد السياسة وقال ابن عبا س المراد كل شيء من أمر الدنيا والآخرة وقال مقاتل يعني النبوة والملك وتسخير الشياطين والرياح إن هذا العطاء لهو الفضل المبين يعني ليس هذا باستحقاق منا أو جزاء لأعمالنا بل تفضل من الله تعالى أو المعنى زيادة ظاهرة على من عدانا. وهذا القول وارد على الشكر كقوله صلى الله عليه وسلم :" أنا سيد ولد آدم ولا أفخر آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة " ٤ امتثالا لقوله تعالى : وأما بنعمة ربك فحدث١١ ٥ قال البغوي روي أن سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام ملك مشارق الأرض ومغاربها فملك سبع مائة سنة وستة أشهر جميع أهل الدنيا الجن والإنس والطير والدواب والسباع وأعطى مع ذلك العلم بمنطق كل شيء وفي زمنه صنعت الصنائع العجيبة
٢ سورة الأحزاب الآية: ٢٧..
٣ سورة النمل الآية: ٢٣..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب باب: في فضل النبي صلى الله عليه وسلم (٣٦٢٤)..
٥ سورة الضحى الآية: ١١.
التفسير المظهري
المظهري