ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

الفصل الثاني :
الآية الثانية :
وورث سليمان داود وقال : يا أيها الناس علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء، إن هذا لهو الفضل المبين ".
الألفاظ والتراكيب :
( الإرث ) : انتقال ما كان للميت إلى الحي، فيقوم فيه الوارث مقام الموروث، سواء أكان مالا أو ملكا أو علما أو مجدا١. والمراد هنا الملك والنبوة.
( علمنا ) أعطينا العلم، ولم يذكر المعلم – وهو الله – للعلم به فإن هذا التعليم ليس من معتاد البشر، ولا من طرقهم.
( منطق الطير ) : نطقها وهو تصويتها، وقد يطلق النطق على كل ما يصوت به الحيوان، فالحيوان ناطق، والجماد صامت.
( وأوتينا ) : أعطينا، والنون في الفعلين للعظمة إذ هي حالته التي هو عليها.
( من كل شيء ) : هو على معنى التكثير، أو على معنى العموم الحقيقي، فيما تقتضيه تلك العظمة، مما يؤتاه الأنبياء والملوك.
( الفضل ) : الزيادة. ( المبين ) : الظاهر الذي لا خفاء به.
المعنى :
قام سليمان مقام أبيه داود عليهما الصلاة والسلام، فكان في بني إسرائيل من بعد نبيا ملكا. وأراد سليمان أن يشهر نعمة اله عليه وينوه بها ويدعو قومه إلى الإيمان به، وطاعته ؛ فدعا الناس وذكر لهم ما خصه الله به من علم منطق الطير، وعظائم الأمور، مما هو خارق للعادة، معجز للبشر آية على نبوته. وتحداهم بذلك الفضل الذي امتاز به عن جميع الناس، وهو مشاهد لهم لا يمكنهم إنكاره كما لا تمكنهم معارضته.
فقه وتحقيق :
من ميزة الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – أنهم يخرجون من الدنيا دون أن يعلقوا بشيء منها، فلا يورثون دينارا ولا درهما وإنما يورثون العلم.
وفي الصحيح " إنا معاشر الأنبياء لا نورث، وما تركناه صدقة " ٢.
فلم يرث سليمان من داود مالا، وإنما ورث ما نوه به من العلم والملك، وما دل عليه ذلك من النبوة، وقد خصصه الله بذلك دون بقية إخوته.
تفرقة :
موروث وموروث :
الشيء الموروث.
إن كان من أمور الدنيا وأعراضها ومتناولات الأبدان ومتصرفاتها، فإنه ينتقل بذاته من الميت إلى الحي، وينقطع عنه ملك الميت.
وما كان من صفات الروح فإنه لا يفارق الميت – لبقاء الروح – وإنما يقوم الحي مقام الميت في أداء ما كان يؤديه من أعمال متصفا بمثل ما كان متصفا به الميت، متحليا بمثل حليته.
فإرث سليمان للملك هو من المعنى الأول فداود بعد موته لم يبق ملكا، وإرثه للعلم والنبوة هو من المعنى الثاني فداود بعد موته على علمه ونبوته.
تفرقة أخرى :
إذا كان الموروث مالا فإنه يستحق بالقرابة شرعا.
وإذا كان علما أو نبوة أو ملكا فإنها لا تستحق بها.
فلم يرث سليمان من داود ما ورثه منه لأنه ابنه، وإنما كان ذلك تفضلا من الله ونعمة، ولهذا لما دعا سليمان الناس لم يذكر لهم أبوة داود، وإنما ذكر لهم ما كان به أهلا لمقامه، مما خصه الله به من علم وقوة، ومظاهر الملك ومعجزة النبوة.
عجائب الخلقة وحكمة العربية :
للحيوانات كلهم فهم وإدراك وأصوات تدل بها على ما في نفسها، وتتفاهم بها أجناسها بعضها عن بعض. ومن تلك الأصوات ما يكون أخفى من أن يصل إليه سمعنا ؛ ومنها ما نسمعه ومما نسمعه ما نفهم مرادها به، ومنه ما نفهمه فلا نسمع صوت النملة ولكننا نسمع صوت الهرة – مثلا – و نميز بين صوتها الذي تدل به على غضبها، وصوتها الذي تدل به على طلبها.
و في مملكة النمل ومملكة النحل – مثلا – من النظام والترتيب والتقدير والتدبير، ما لا يبقى معه شك فيما لهذه الحيوانات من إدراك وتمييز، وما بينها من تفاهم، بل كثير من الحيوانات تصير بالترويض تفهم عنا كثيرا من العبارات والإشارات، وتأتي بالأعمال العجيبة طبق ما يراد منها وتدل عليه فهذا أصل ما بلغت إليه من إدراكها ونطقها اللذين أخبر بهما القرآن. وتلك الغاية من الإدراك والنطق، لا سبيل لنا إليها لاختلاف الخلقة وجهل مدلولات الأصوات.
و قد أدركها سليمان – عليه السلام – بتعليم من الله كرامة له، وآية على نبوته، ومعجزة للناس.
فمن حكمة اللغة العربية الشريفة، أن سمت أصوات الحيوانات نطقا، كما سمت – في المتعارف – اللفظ الذي يعبر به عما في الضمير نطقا، لأن الأصوات لغير الإنسان تقوم مقام الألفاظ للإنسان، فهي طريق تفاهمها وطريق فهم ما يمكن لإنسان فهمه عنها.
فلله هذه اللغة ما أعمق غمورها !وما أدق تعبيرها ! !٣.
نظر وإيمان :
قد شوهد بالعيان في أنواع الحيوانات : حسن تدبيرها لأمر معاشها، ودقة سعيها في جلب منافعها، ودفع مضارها، فمن الجائز أن يصل إدراكها بالفطرة إلى ما وراء ذلك من وجود خالقها ورازقها :
و هذا هو الذي أخبرنا به القرآن في هذه الآيات من أمر النملة وأمر الهدهد الآيتين من بعد.
فنحن مؤمنون لجوازه عقلا، وثبوته سمعا، مثل سائر السمعيات٤.
تمييز :
ميزة الإنسان :
قد شارك الحيوان الإنسان في الإدراك والتمييز، وبلغ إدراكه إلى معرفة وجود خالقه ورازقه، ولكن الإنسان يمتاز عنه بقوة التحليل والتركيب لكل ما يصل إليه حسه وإدراكه، وتطبيق ذلك على كل ما تمتد إليه قدرته ويكون في متناول يده، فمن ذلك التركيب والتحليل والتطبيق تغلب على عناصر الطبيعة، وتمكن من ناصيتها، واستعمال حيوانها وجمادها في مصلحته، و رقي أطوار التقدم في حياته، ولفقدان الحيوان – غير الإنسان – هذه القوة بقي في طور واحد من حياته ومعيشته.
فرق :
فإدراك الحيوان فطري إلهامي يعطاه من أول الخلقة، والإنسان يعطي أصل الإدراك الإجمالي، ثم بتلك القوة يتسع أفق إدراكه، ويستمر في درجات التقدم.
وهذه القوة التي يمتاز بها الإنسان هي العقل، وهي التي ساد بها هذا العالم الفاني.
توجيه :
سر ذكر الطير :
ذكر سليمان عليه السلام منطق الطير، وهو قد علم منطق غير الطير أيضا فقد فهم نطق النملة، ذلك لأن الحيوانات – غير الإنسان – مراتب : الزاحفة، والماشية، والطائرة، وأشرفها الطائرة، فاقتصر على الطير تنبيه بالأعلى على الأدنى.
تنزيه وتبيين :
سر نون العظمة :
عبر سليمان عليه السلام عن نفسه بنون العظمة، ونوه بذلك الفضل المبين، وما كان عليه السلام – ليتعظم بسلطان، ولا ليتطاول بفضل ؛ فالأنبياء – عليهم الصلاة والسلام- أشد الخلق تواضعا لله وأرحمهم بعباده.
وإنما أراد تعظيم نعمة الله في عيون الناس، وتفخم ملك النبوة في قلوب الرعية ؛ ليملأ نفوسهم بالجلال والهيبة، فيدعوهم ذلك إلى الإيمان والطاعة، فينتظم الملك، ويهنأ العيش، وتمتد بهم أسباب السعادة إلى خير الدنيا والآخرة، وهذا هو الذي توخاه سليمان عليه السلام من المصلحة بإظهار العظمة.
ولذا لم يقل : علمت. ولا : لي : وعندي كل شيء. ولم يقل فضلي، فهو فضل من علمه وآتاه فضله به عمن سواه.
ترغيب واقتداء :
يذكر الله - تعالى – لنا في شأن هذا النبي الكريم ما أعطاه من علم، وما مكنه منه من عظيم أشياء.
ترغيبا لنا في طلب العلم، والسعي في تحصيل كل ما بنا حاجة إليه من أمور الدنيا.
وتشويقا لنا إلى ما في هذا الكون من عوالم الجماد، وعوالم الأحياء.
وبعثا لهممنا على التحلي بأسباب العظمة من العلم والقوة.
وحثا لنا على تشييد الملك العظيم الفخم على سنن ملك النبوة.
فقد كان سليمان عليه السلام نبيا، وما كان ملكه ذلك إلا بإذن اله ورضاه، فهو فيما ذكره الله من أمر قدوة وأي قدوة مثل سائر الأنبياء والمرسلين. عليهم الصلاة والسلام أجمعين.

١ كقوله تعالى :" إنا أنزلناه في ليلة القدر " أي القرآن الكريم..
٢ والرسول صلى الله عليه وآله وسلن حين أفاء الله عليه وكثر عنده المال ما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهما، بل صرفه في مصارفه وأغنى به غيره، وقوى به المسلمين. وقال :" ما يسرني أن لي أحدا ( أي مثل جبل أحد ) ذهبا يبيت عندي منه دينار إلا دينارا أرصده لدين ". واقتصر من نفقته وملبسه ومسكنه ما تدعو إليه الضرورة، ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله!؟.
٣ ولله در الشاعر النيل إذ يقول على لسانها:
أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي ؟
وسعت كتاب الله لفظا وغاية وما ضقت عن آي به وعظات؟
فكيف أضيق اليوم عن وصفه آلة وتنسيق أسماء لمخترعات؟.

٤ " وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم "..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير