ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

الآية الخامسة :
" فتبسم ضاحكا من قولها.
وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي.
وأن أعمل صالحا ترضاه.
وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ".
الألفاظ والتراكيب :
( التبسم ) : انفراج الشفتين على الأسنان، وقد يكون للغضب، وقد يكون للسخرية، وقد يكون للضحك، وهو الأكثر، وهو بدايته ؛ ولهذا قيد بضاحكا.
( أوزعني أن أشكر ) : ألهمني شكر نعمتك. وتحقيقه في اللغة والتصريف، إنك تقول : وزعت الشيء أي كففته و أوزعني الله الشيء أي جعلني أزع ذلك الشيء أي أكفه. كما تقول : ركبت الفرس وأركبني زيد الفرس، أي جعلني أركبه، فأوزعني شكر نعمتك : أي اجعلني أزع أي أكف شكر نعمتك، أي أمنعه من أن يذهب عني، وينفلت مني، فالمقصود : اجعلني ملازما لشكرك فلا أنفك لك شاكرا.
( نعمتك ) : عام يشمل كل نعمة الله عليه وعلى والديه.
( وأن أعمل ) : معطوف على أن أشكر فيقدر مثل تقديره.
( ترضاه ) : وصف مؤكد وقد يكون للتقييد على ما سيأتي، لأن العمل الصالح.. يرضى عنه الله، وإنما ذكر الوصف ؛ ليفيد أن رضى الله مقصود بالعمل الصالح.
( أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ( : اجعلني معهم. وأكمل الصالحين الأنبياء والمرسلون صلى الله وسلم عليهم أجمعين.
وتحقيقه : أن الصالحين بما امتازوا به من كمال صاروا كأنهم في حمى خاص بهم، لا يدخل عليهم فيه إلا من كان مثلهم، فلهم مقامهم في الرفيق الأعلى، ولهم منازلهم في الجنة، ولهم ذكرهم الطيب عند الله وعند العباد. وهذه المنازل والمقامات لا يدخلها العبد إلا برحمة من الله بتيسير لأسبابها، وتفضل عظيم.
المعنى :
لما سمع سليمان – عليه الصلاة والسلام – كلام النملة تبسم تبسم السرور والتعجب من قولها، وطلب من ربه – تعالى – أن يلهمه شكر ما أنعمه به عليه وعلى والديه، وأن يلهمه عملا صالحا ينال به رضاه، وطلب منه تعالى أن يجعله في الصالحين، بأن يثبت اسمه بينهم، ويقرن ذكره بذكرهم، ويلحقه بهم، ويسكنه الجنة معهم، بما يغمره به من رحمته وفضله وإحسانه.
توجيه :
وصدور ذلك الإنذار البليغ من مثل تلك النملة في ضعفها وصغرها طريف مستظرف، ككل شيء يصدر من حيث لا ينتظر صدوره منه، فهذا مبعث تعجب سليمان صلى الله عليه وسلم.
وشهادة النملة له ولجنوده بأنهم لو وطئوا النمل لوطئوه عن غير شعور ؛ فهم لرحمتهم وشفقتهم وارتباطهم بزمام التقوى، وأخذهم بالعدل لا يتعمدون التعدي على أضعف المخلوقات العجماء – هذه الشهادة أدخلت السرور على سليمان صلى الله عليه وسلم لما دلت عليه من ثبوت هذا الوصف العظيم له ولجنده، وظهوره منهم واشتهارهم به. كما بعث سروره شعوره بما آتاه الله من الملك العظيم والعلم الذي م يؤته غيره، حتى فهم ما همست به النملة، وهي من الحكل١ الذي ليس له صوت يستبان في حال من الأحوال.
أدب من سرته النعمة :
نعم الله على العبد تدخل عليه السرور بجبلة الفطرة، والفرح بنعمة الله من الاعتراف بفضله والإكبار لنواله.
ومن أدب العبد – حينئذ – أن يسأل الله التوفيق لشكر تلك النعمة بصرفها في الطاعة، كما فعل سليمان صلى الله عليه وسلم.
النعم المزدوجة :
إذا أنعم الله على الأبوين بنعمة الإيمان والصلاح، فهي نعمة على ولدهما ؛ إذا اتبعهما، وتكون تلك النعمة من الله عليهما سيما في حسن تربيتهما له وتوجيهه في الوجهة الصالحة.
كما أن نعمة الله على الولد هي نعمة على والديه فهو من أثرهما، ومثل حسناته في ميزانهما، لأنهما أصل ذلك وسببه، ويدعو له الناس، فيدعون لهما ويدعو هو لهما، وقد يؤذن له فيشفع لهما.
فالنعمة على الوالد هي نعمة مزدوجة بينهما، ولهذا ذكر سليمان - صلى الله عليه وسلم – نعمة الله على والديه مع نعمته عليه.
الغاية المطلوبة :
إن شعور العبد برضى الله عنه، هو أعظم لذة روحية تعجز عن تصويرها الألسن. و إحلال الرضوان على أهل الجنة أكبر من كل ما في الجنة من نعيم ؛ فالغاية التي يسعى إليها الساعون ويعمل لها العاملون هي رضى الله٢.
فالعمل الصالح ترتضيه العقول، وتستعذبه الفطر، ولكنه لا يفيد صاحبه إذا لم يبغ به مرضاة الله ؛ ولهذا قال سليمان صلى الله عليه وسلم : ترضاه.
جمع وتحقيق :
قال الله تعالى :
" ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون " فأفاد أن الأعمال سبب في دخول الجنة.
وفي هذه الآية :" وأدخلني برحمتك " فأفاد أن الدخول بالرحمة ولا منافاة ما بينهما.
فالأعمال سبب شرعي لدخول الجنة، والهداية إليه والتوفيق فيه وقبوله هو رحمة من الله جزاء ؛ لأنه لا ينتفع به ؛ إذ هو الغني عن خلقه، وإنما تفضل فجعله سببا في نيل ثوابه، ثم تفضل فجعل الجزاء مضاعفا إلى عشر أضعاف كثيرة، إلى الموفي للصابرين أجرهم بغير حساب.
دقيقة روحية :
إن الأرواح النورانية الطاهرة السامية لا لذة لها حقيقية في هذا العالم الفاني المادي المنحط، وإنما لذتها الحقيقية في عالمها العالي الأقدس، وفي الرفيق الأعلى الأطهر، وفي معاشرة أمثالها من النفوس الطيبة الزكية، في ذلك القدس الأسنى، فهي دائمة الشوق إليه، و الانجداب نحوه.
ولذا كان من دعوات الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – الدخول في الصالحين و اللحوق بهم ؛ مثل قول سليمان هنا، وقول إبراهيم :" رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين ". وقول يوسف :" توفني مسلما وألحقني بالصالحين ".
وفقنا الله لشكر ما من به من سابق النعمة، وللقيام فيما بقي من العمر بواجب الخدمة، وختم لنا باللحوق بعباده الصالحين آمين.

١ الحكل، بضم الحاء وسكون الكاف ما لا يسمع له صوت. وهذا من بصر الإمام باللغة وغريبها..
٢ و لذا كان التنكير في قوله تعالى: " ورضوان من الله أكبر للتعظيم "..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير