تفسير المفردات : أوزعني : أي يسر لي.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر قصص موسى صلى الله عليه وسلم تقريرا لما قبله ببيان أنه تلقاه من لدن حكيم عليم - أردفه قصص داود وسليمان، وذكر أنه آتى كلا منهما طائفة من علوم الدين والدنيا، فعلّم داود صنعة الدروع ولبوس الحرب، وعلّم سليمان منطق الطير، ثم بين أن سليمان طلب من ربه أن يوفقه إلى شكر نعمه عليه وعلى والديه، وأن يمكنه من العمل الصالح وأن يدخله جنات النعيم.
الإيضاح : فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين أي فضحك متعجبا من حذرها وتحذيرها والهداية التي غرسها الله فيها، مسرورا بما خصه الله من فهم مقاصدها، وقال رب ألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وعلى والديّ، وأن أعمل عملا تحبه وترضاه، وتوفني مسلما وألحقني بالصالحين من عبادك.
وخلاصة ذلك كأنه قال : العلم غاية مطلبي وقد حصلت عليه، ولم يبق بعد ذلك إلا أن أطلب التوفيق للشكر عليه بالعمل الصالح الذي ترضاه، وأن أدخل في عداد الصالحين من آبائي الأنبياء وغيرهم.
تذكرة وعبرة بالآية :
قد دل بحث الباحثين في معيشة النمل على ما لها من عجائب في معيشتها وتدبير شؤونها، فإنها لتتخذ القرى في باطن الأرض، وتبني بيوتها أروقة ودهاليز وغرفات ذوات طبقات، وتملؤها حبوبا وقوتا للشتاء، وتخفي ذلك في بيوت من مساكنها منعطفات إلى فوق، حذرا من ماء المطر.
وفي هذه الآية تنبيه إلى هذا لإيقاظ العقول إلى ما أعطيته من الدقة وحسن النظم والسياسة فإن نداءها لمن تحت أمرها وجمعها لهم ليشير إلى كيفية سياستها، وحكمتها وتدبيرها لأمورها، وأنها تفعل ما يفعل الملوك، وتدبر وتوسوس كما يسوس الحكام.
ولم يذكره الكتاب الكريم إلا ليكون أمثالا تضرب للعقلاء، فيفهموا حال هذه الكائنات، وكيف أن النمل أجمعت أمرها على الفرار خوفا من الهلاك كما تجتمع على طلب المنافع، وإن أمة لا تصل في تدبيرها إلى مثل ما يفعل هذا الحيوان الأعجم تكون أمة حمقاء تائهة في أودية الضلال، وهي أدنى حالا من الحشرات والديدان : ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ( النور : ٣٥ ).
تفسير المراغي
المراغي