ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

فالتف عليه الناس، فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة رحمه الله حاضرا- وهو غلام حدث-. فقال: سلوه عن نملة سليمان، أكانت ذكرا أم أنثى؟ فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: من أين عرفت؟ قال: من كتاب الله، وهو قوله قالَتْ نَمْلَةٌ ولو كانت ذكرا لقال: قال نملة، «١» وذلك أنّ النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميز بينهما بعلامة، نحو قولهم: حمامة ذكر، وحمامه أنثى، وهو وهي. وقرئ: مسكنكم ولا يحطمنكم، بتخفيف النون، وقرئ لا يحطمنكم بفتح الحاء وكسرها. وأصله: يحتطمنكم. ولما جعلها قائلة والنمل مقولا لهم كما يكون في أولى العقل: أجرى خطابهم مجرى خطابهم. فإن قلت:
لا يحطمنكم ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جوابا للأمر، وأن يكون نهيا بدلا من الأمر، والذي جوّز أن يكون بدلا منه: أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم فيحطمكم، على طريقة: لا أرينك هاهنا، أراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ، ونحوه: عجبت من نفسي ومن إشفاقها.
[سورة النمل (٢٧) : آية ١٩]
فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)
ومعنى فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً تبسم شارعا في الضحك وآخذا فيه، يعنى أنه قد تجاوز حدّ التبسم إلى الضحك، وكذلك ضحك الأنبياء عليهم السلام. وأما ما روى أن رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه «٢» فالغرض المبالغة في وصف ما وجد منه من الضحك

(١). قال محمود «لما دخل قتادة الكوفة التفت عليه الناس، فقال: سلوا عما شئتم، فقال أبو حنيفة- وكان شابا-: سلوه عن النملة التي كلمت سليمان، أذكر كانت أم أنثى؟ فسألوه فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى فقيل:
كيف لك ذلك؟ قال: لأن الله عز وجل قال قالَتْ نَمْلَةٌ، ولو كانت ذكرا لقال: قال نملة»
قال أحمد: لا أدرى العجب منه أم من أبى حنيفة أن يثبت ذلك عنه، وذلك أن النملة كالحمامة والشاة تقع على الذكر وعلى الأنثى لأنه اسم جنس، يقال: نملة ذكر ونملة أنثى، كما يقولون حمامة ذكر وحمامة أنثى، وشاة ذكر وشاة أنثى، فلفظها مؤنث.
ومعناه محتمل، فيمكن أن تؤنث لأجل لفظها، وإن كانت واقعة على ذكر. بل هذا هو الفصيح المستعمل. ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تضحى بعوراء ولا عجفاء ولا عمياء» كيف أخرج هذه الصفات على اللفظ مؤنثة ولا يعنى الإناث من الأنعام خاصة، فحينئذ قوله تعالى قالَتْ نَمْلَةٌ روعي فيه تأنيث اللفظ. وأما المعنى فيحتمل على حد سواء، وإنما أطلت في هذا وإن كان لا يتمشى عليه حكم، لأنه نسبه إلى الامام أبى حنيفة على بصيرته باللغة، ثم جعل هذا الجواب معجبا لنعمان على غزارة علمه وتبصره بالمنقولات، ثم قرر الكلام على ما هو عليه مصونا له، فيا للعجب العجاب، والله الموفق للصواب. [.....]
(٢). وقعت في هذه الجملة عدة أحاديث. منها حديث ابن مسعود «جاء رجل من اليهود. فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على أصبع الحديث. وفيه فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه» متفق عليه. ومنها حديثه مرفوعا «إنى لأعلم آخر أهل النار خروجا منها- الحديث. وفيه: قول الرجل: أتسخر بى وأنت الملك؟ قال: ولقد رأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه» متفق عليه أيضا. ومنها حديث أبى ذر رضى الله عنه «يؤتى برجل يوم القيامة. فيقال اعرض عليه صغار ذنوبه- الحديث. وفيه: فلقد رأيت النبي ﷺ إلى آخره» أخرجه مسلم. ومنها حديث أبى سعيد- رفعه- «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة- الحديث. وفيه: فنظر إلينا رسول الله ﷺ ثم ضحك حتى بدت نواجذه» متفق عليه ومنها حديث جابر «دخل أبو بكر والقوم جلوس على الباب- فذكر الحديث وفيه: فقال عمر: لو رأيت بنت خارجة وهي تسألنى النفقة فقمت فوجأت عنقها. قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه» أخرجه مسلم. ومنها حديث ابن عمر رضى الله عنهما «كنا مع النبي ﷺ في غزوة فأصاب الناس مخمصة- الحديث. وفيه: فلم يبق في الجيش وعاء إلا مليء وبقي مقله. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه» أخرجه ابن حبان والحاكم. ومنها حديث سلمة بن الأكوع «قدمنا الحديبية- الحديث. وفيه:
قلت يا رسول الله، خلنى أنتخب من القوم مائة رجل، فأتبع القوم، فلا أبقى منهم أحدا إلا قتلته، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه»
وهو حديث طويل. وفيه هذه اللفظة في موضع آخر أخرجه مسلم. ومنها حديث زيد بن أرقم «أتى على رضى الله عنه- وهو باليمن- بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد- الحديث.
وفيه: فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه»
أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم.
ومنها حديث أم أيمن «قام رسول الله ﷺ بالليل، فبال في فخارة. فقمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أشعر فلما أصبح أمرنى أن أهريقها فقلت: إنى شربتها، فضحك حتى بدت نواجذه» أخرجه الحاكم. ومنها حديث صهيب في أكلة التمر وهو أرمد. فقال «إنما آكله من شق عينى الصحيحة. قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه» أخرجه البزار بتمامه. وبعضه لابن ماجة والحاكم. ومنها حديث ابن عباس «كان عبد الله ابن رواحة مضطجعا إلى جنب امرأته. فقام إلى جارية له فوقع عليها- الحديث. وفيه: الشعر. وقول المرأة:
آمنت بالله وكذبت البصر. قال: فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره فضحك حتى بدت نواجذه»
أخرجه البزار وإسناده ضعيف.

صفحة رقم 356

النبوي، وإلا فبدوّ النواجذ على الحقيقة إنما يكون عند الاستغراب، وقرأ ابن السميقع:
ضحكا، فان قلت: ما أضحكه من قولها؟ قلت: شيئان، إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده وشفقتهم، وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى، وذلك قولها وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ تعنى أنهم لو شعروا لم يفعلوا. وسروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحدا: من إدراكه بسمعه ما همس به بعض الحكل «١» الذي هو مثل في الصغر والقلة، ومن إحاطته بمعناه، ولذلك اشتمل دعاؤه على استيزاع الله شكر ما أنعم به عليه من ذلك، وعلى استيفاقه»
لزيادة العمل الصالح والتقوى. وحقيقة أَوْزِعْنِي اجعلنى أزع شكر نعمتك عندي، وأكفه وأرتبطه لا ينفلت عنى، حتى لا أنفك شاكرا لك. وإنما أدرج ذكر والديه لأنّ النعمة على الولد نعمة على الوالدين، خصوصا النعمة الراجعة إلى الدين، فإنه إذا كان تقيا نفعهما بدعائه وشفاعته وبدعاء المؤمنين لهما كلما دعوا له، وقالوا: رضى الله عنك وعن والديك. وروى

(١). قوله «ما همس به بعض الحكل» في الصحاح «الحكل» : ما لا يسمع له صوت. (ع)
(٢). قوله «وعلى استيفاقه لزيادة العمل» في الصحاح «استوفقت الله» : سألته التوفيق. (ع)

صفحة رقم 357

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة - 1407 ه
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية