ﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ

لأُعذِّبَنَّه عذاباً شديداً ، قيل : كان عذابه للطير : نتفه ريشه وتشميسه، أو : يجعله مع أضداده في قفص، أو : بالتفريق بينه وبين إلفه. وعن بعضهم : أضيق السجون معاشرة الأضداد، ومفارقة الأحباب. أو : نتفه، وطرحه بين يدي النحل تلدغه، أو : النمل تأكله. وحلّ له تعذيب الهدهد لينزجر غيره، ولِما سخرت له الحيوانات - ولا يتم التسخير إلا بالتأديب - حلّ له التأديب.
أو لأذْبحنَّه ؛ ليعتبر به أبناء جنسه، أو لَيَأْتِيَنِّي بسلطانٍ مبين ؛ بحُجة تُبين عذره، والحلف في الحقيقة على أحد الأمرين، على تقدير عدم الثالث. قال بعضهم : وسبب طلبته للهدهد، لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقيل : كانت الطير تظله، فأصابته لمعة من الشمس، فنظر، فرأى موضع الهدهد خالياً، فتفقده، وقيل : احتاج إلى الماء، وكان عِلْمُ ذلك إلى الهدهد، فتفقده، فلم يجده، فتوعده.
والسبب فيه : أن سليمان عليه السلام لَمَّا فرغ من بناء بيت المقدس، عزم على الخروج إلى أرض الحرم، للحج، فتجهز للمسير، وخرج بجنوده - كما تقدم - فبلغ الحرم، وأقام به، وكان ينحر كل يوم بمكة خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرين ألف شاة، قرباناً. وقال : إن هذا مكان يخرج منه نبي عزيزُ، صفته كذا وكذا، يُعطَى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد في الحق عنده سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، دينه دين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، وبيننا وبين خروجه زهاء ألف عام. ثم قضى نسكه، وخرج نحو اليمن صباحاً، يؤم سهيلاً، فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضاً حسناء، تزهو خضرتها، فأحب النزول بها ؛ ليصلي، ويتغذى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض، كما نرى الماء في الزجاجة، فينقر الأرض فتجيء الشياطين يستخرجونه. وبحث فيه القشيري بأن الهدهد متعدد في عسكره، إذا فقدوا واحداً بقي آخر، قال : اللهم إلا أن يكون ذلك الواحد مخصوصاً بمعرفة ذلك، والله أعلم. ه.
قال سعيد بن جبير : لما ذكر ابن عباس هذا الحديث : قال له نافع بن الأزرق : كيف ينظر الماء تحت الأرض، ولا يبصر الفخ حتى يقع فيه ؟ قال ابن عباس : ويحك إذا جاء القدر حال دون البصر. ه. قلت : ونافع هذا هو رأس الخوارج والمعتزلة.
فلما نزل سليمانُ، قال الهدهد : إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء، ونظر طول الدنيا وعرضها، ونظر يميناً وشمالاً، فرأى بستاناً لبلقيس فيه هدهد. وكان اسم هدهد سليمان " يعفور " واسم هدهد اليمن " عنفير ". فقال هدهد اليمن لهدهد سليمان : من أين أقبلتَ وأين تريد ؟ قال : أقبلتُ من الشام، مع صاحبي سليمان بن داود، قال : ومَن سليمان ؟ قال : ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمِن أين أنت ؟ قال من هذه البلد، ملكها امرأة، يقال لها " بلقيس " تحت يديها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل. فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس ومُلكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر. وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة، فلم يجده، وكان على غير ماء.
قال ابن عباس : فدعا عريف الطير - وهو النسر - فسأله ؟، فقال : ما أدري أين هو، فغضب سليمان وقال :( لأُعذبنه. . . ) إلخ، ثم دعا بالعقاب، سيد الطير، فقال : عليّ بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مُقبلاً من نحو اليمن، فانقضّ نحوه، فقال له الهدهد : بحق الحق الذي قوّاك إلا ما رحمتني، فقال : ويلك، إن نبي الله حلف أن يعذبك ويذبحك. ثم تلقته النسور والطير في العسكر، وقالوا له : لقد توعدك نبيُّ الله. قال : أوَ ما استثنى ؟ قالت : بلى، قال : أوْ لَيأتيني بسلطان مبين . ثم دخل على سليمان، فرفع رأسه، وأرخَى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض، تواضعاً لله ولسليمان، فقال سليمان : أين كنت ؟ لأعذبنَّك. . . فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه، فمده إليه، فقال له الهدهد : يا نبي الله ؛ اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، بمنزلة وقوفي بين يديك، فارتعد سليمان وعفا عنه. وقال عكرمة : إنما صُرف سليمان عن ذبح الهدهد لبره بوالديه، كان يلتقط الطعام ثم يزقه لهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : هُدهد كل إنسان نفسه، فإذا تفقدها فوجدها غائبة عن الله، في أودية الغفلة، هددها بالعذاب الشديد، وبذبحها بأنواع المخالفة، حتى تأتيه بحجة واضحة، تعذر بها، فإن لم تأت بحجة عذَّبها وذبحها، بإدخالها في كل ما تكره ويثقل عليها، فتمكث غير بعيد، فتأتيه بالعلوم اللدنية، والأسرار الربانية، التي لم يحط بها علماً قبل ذلك، وتجيئه بالخبر اليقين، في العلم بالله، من عين اليقين، أو حق اليقين، فتخبره عن أحوال عامة أهل الحجاب، فتقول : إني وجدت امرأة تملكهم، وهي نفسهم الأمارة، وأوتيت من كل شيء تشتهيه وتهواه، من غير وازع ولا قامع، ولها عرش عظيم، وهو سرير الغفلة والانهماك في حب الدنيا والشهوات. أو : لها تسلط كبير على من ملكته، وجدتها وقومها يسجدون للسّوى، ويخضعون للهوى من دون الله، وزيّن لهم الشيطانُ ذلك، فصدهم عن طريق الوصول، فهم لا يهتدون إلى الوصول إلى الحضرة أبداً ما داموا كذلك ؛ لأن حضرة ملك الملوك محرمة على من هو لنفسه مملوك. ألا يسجدوا بقلوبهم لله وحده، فإنه مطلع على خبايا القلوب والأسرار، وعلى ما يُسرون من الإخلاص، وما يُعلنون من الأعمال، التي توجب الاختصاص. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير