قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون( ٣٢ ) قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين( ٣٣ ) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون( ٣٤ ) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ( النمل٣٢-٣٥ ).
تفسير المفردات : أفتوني : أي أشيروا عليّ بما عندكم من الرأي والتدبير فيما حدث، قاطعة أمرا : أي باتّة فيه منفذته، تشهدون : أي تحضروني، والمراد بالقوة : القوة الحسية وكثرة الآلات.
المعنى الجملي : ذكر فيما سلف أن الهدهد حينما ألقى الكتاب أحضرت بطانتها وأولي الرأي لديها وقرأت عليهم نص الكتاب، وهنا بين أنها طلبت إليهم إبداء آرائهم فيما عرض عليهم من هذا الخطب المدْلهم والحادث الجلل حتى ينجلي لهم صواب الرأي فيما تعمل ويعملون، لأنها لا تريد أن تستبد بالأمر وحدها، فقلّبوا وجوه الرأي واشتد الحوار بينهم وكانت خاتمة المطاف أن قالوا : الرأي لدينا القتال، فإنا قوم أولو بأس ونجدة، والأمر مفوض إليك فافعلي ما بدا لك، وإن قالت : إني أرى عاقبة الحرب والدمار والخراب وصيرورة العزيز ذليلا، وإني أرى أن نهادنه ونرسل إليه بهدية ثم ننظر ماذا يكون رده، علّه يقبل ذلك منا، ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجا نحمله إليه كل عام ونلتزم ذلك له، وبذا يترك قتالنا وحربنا.
الإيضاح : قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدوني أي قالت بلقيس لأشراف قومها : أيها الملأ أشيروا عليّ في أمر هذا الكتاب الذي ألقى إليّ فإني لا أقضي فيه برأي حتى تشهدوني فأشاوركم فيه.
وفي قولها هذا دلالة على إجلالهم وتكريمهم ليمحضوها النصح، ويشيروا عليها بالصواب، ولتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضاءهم على الطاعة لها، علما منها أنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك عونا لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، وتعمية في تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريد من قوة شوكتهم وشدة مدافعتهم، ألا ترى إلى قولهم في جوابهم : نحن أولو قوة وأولو بأس شديد على ما لها من عقل راجح وأدب جم في التخاطب.
وعلى هذا النهج سار الإسلام، فقد قال سبحانه لنبيه : وشاورهم في الأمر ( آل عمران : ١٥٩ ) وقد مدح سبحانه صحابة رسوله بقوله : وأمرهم شورى بينهم ( الشورى : ٣٨ ).
فأجابوا عن مقالها : قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين .
المعنى الجملي : ذكر فيما سلف أن الهدهد حينما ألقى الكتاب أحضرت بطانتها وأولي الرأي لديها وقرأت عليهم نص الكتاب، وهنا بين أنها طلبت إليهم إبداء آرائهم فيما عرض عليهم من هذا الخطب المدْلهم والحادث الجلل حتى ينجلي لهم صواب الرأي فيما تعمل ويعملون، لأنها لا تريد أن تستبد بالأمر وحدها، فقلّبوا وجوه الرأي واشتد الحوار بينهم وكانت خاتمة المطاف أن قالوا : الرأي لدينا القتال، فإنا قوم أولو بأس ونجدة، والأمر مفوض إليك فافعلي ما بدا لك، وإن قالت : إني أرى عاقبة الحرب والدمار والخراب وصيرورة العزيز ذليلا، وإني أرى أن نهادنه ونرسل إليه بهدية ثم ننظر ماذا يكون رده، علّه يقبل ذلك منا، ويكف عنا، أو يضرب علينا خراجا نحمله إليه كل عام ونلتزم ذلك له، وبذا يترك قتالنا وحربنا.
تفسير المراغي
المراغي