قالوا تقاسموا بالله : استئناف لبيان بعض فسادهم. و( تقاسموا ) : إما أمر مقول لقالوا، أي : تحالفوا أمر بعضهم بعضاً بالقسم على قتله. وإما خبر حال، أي : قالوا متقاسمين. لنُبَيِّتَنَّهُ : لنقتلنه بياتاً، أي : ليلاً، وأهلَه : ولده ونساءه، ثم لنقولن لِوَلِيِّه أي : لوليّ دمه : ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهله أي : ما حضرنا هلاكهم، أو : وقت هلاكهم. أو : مكانه فضلاً أن نتولى إهلاكهم، وإِنا لصادقون فيما ذكرناه. وهو إما من تمام المقول، أو : حال، أي : نقول ما نقول والحال أنا صادقون في ذلك ؛ لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفاً. ولأنا ما شهدنا مهلك أهله وحده، بل مهلكه ومهلككم جميعاً، كقولك : ما رأيت ثمَّ رجلاً، أي : بل رجلين. ولعل تحرجهم من الكذب في الأَيْمان مع كفرهم ؛ لِما تعودوا من تعجيل العقوبة للكاذب في القسامة، كما كان أهل الشرك مع البيت الحرام في الجاهلية. وكان تقاسمهم بعد أن أنذرهم بالعذاب، وبعد قوله : تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ [ هود : ٦٥ ].
وقال القشيري على قوله : ومكروا مكراً... الآية : مَكْرُ اللهِ : جزاؤهم على مَكْرِهم، بإخفاء ما أراد منهم من العقوبة، ثم إحلالها بهم بغتةً. هـ. وقال الورتجبي : حقيقة المكر : امتناع سر الأزلية عن مطالعة الخليقة، فإذا كان كذلك من ينجو من مَكْره، والحديث لا يطلع على سوابق علمه في القِدم، فمَكْره وقهره صفتان من صفاته، لا تفارقان ذاته، وذاته أبدية، انظر تمامه. قلت : ومعنى كلامه : أن مكر الله في الجملة : هو إخفاء السر الأزلي - وهو القضاء والقدر - عن مطالعة الخلق، فلا يدري أحد ما سبق له في العلم القديم، وإذا كان كذلك فلا ينجو أحد من مكره ؛ إذ الحدث لا يطلع على سوابق العلم القديم، إلا من اطلع عليه بوحي، كالأنبياء، أو بنص صريح منهم، كالمبشرين بالجنة، ومع ذلك : العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد ؛ إذ قد يتوقف على شرط وأسباب خفية، ولذلك قيل : العارف لا يسكن إلى الله. قاله في لطائف المنن، أيّ : لا يسْكُن إلى وعد الله ولا وعيده، فلا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره.
وقال القشيري - على قوله : فتلك بيوتهم خاوية... ، في الخبر :" لو كان الظلم بيتاً في الجنة لسلط الله عليه الخراب " هـ. قلت : فكل من اشتغل بظلم العباد، فعن قريب ترى دياره بلاقع، كما هو مجرب. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي