وقال موسى ربي أعلمُ بمن جاء بالهُدَى من عنده ، فيعلم أني محق، وأنتم مبطلون، وقرأ ابن كثير :" قال " ؛ بغير واو ؛ جواباً لمقالتهم. ومَن تكونُ له عاقبةُ الدار أي : العاقبة المحمودة، فإن المراد بالدار : الدنيا، وعاقبتها الأصلية هي الجنة ؛ لأن الدنيا خلقت مَعْبراً ومجازاً إلى الآخرة، والمقصود منها، بالذات، هو المجازاة على الأعمال فيها من الثواب الدائم، أو العقاب الأليم، إنه لا يُفلِحُ الظالمون ؛ لا يفوزون بالهدى في الدنيا، وحسن العاقبة في العقبى.
قال النسفي : قل ربي أعلم منكم بحال من أَهَّلَهُ الله للفلاح الأعظم ؛ حيث جعله نبياً وبعثه بالهدى، ووعده حُسْنَ العُقْبَى، يعني نفسه، ولو كان كما تزعمون، ساحراً، مفترياً، لما أَهَّلَهُ لذلك ؛ لأنه غني حكيم، لا يرسل الكاذبين، ولا يُنَبِّئُ الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون، وعاقبة الدار هي العاقبة المحمودة ؛ لقوله تعالى : أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنِّاتِ عَدْنٍ [ الرعد : ٢٢ ]. والمراد بالدار : الدنيا، وعاقبتها : أن تختم للعبد بالرحمة والرضوان، ويلقى الملائكة بالبشرى والغفران. ه.
ولا يرضى المحبوب من المحب إلا الأدب، وهو التذلل والخضوع، كما قائل القائل :تَذَلَّلْ لِمَنْ تَهْوَى ؛ لِتَكْسِبَ عِزَّةً فَكَمْ عِزَّةٍ قَدْ نالَهَا المَرْءُ بِالذُّلِّ إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوى عَزِيزاً، وَلَمْ تَكُنْ ذَلِيلاً لَهُ، فَاقْرَ السَّلامَ على الْوَصْلِ أدَبُ الْعَبْـدِ تَـذَلُّـلٌ وَالْعَبْـدُ لاَ يَـدَعُ الأدَبْ فَإذَا تَكَـامَـلَ ذُلّـهُ ؛ نَـالَ الْمَـوَدَّةَ، وَاقْتَـرَبْ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي