المعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدَّمَتْ أيديهم لَعذَّبناهم فاحتجوا قائلين: {رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ
صفحة رقم 10945
المؤمنين} [القصص: ٤٧] فلو عذَّبهم الله دون أن يرسل إليهم رسولاً لكانت حجة لهم.
وسبق أنْ قُلْنا: إنه لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنصٍّ ولا نصَّ إلا بإعلام، لذلك تُنشر الأحكام في الوقائع الرسمية ليعرفها الجميع، فتلزمهم الحجة، ولا يُعْذَر أحد بالجهل بالقانون، ولا يُعفى من العقاب.
إذن: قطع الله عليهم الحجة، حين بعث إليهم رسول الله بمنهج الحق الذي يدلهم على الخير والثواب عليه في الجنة، ويحذرهم من الشر والعقاب عليه في النار لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل... [النساء: ١٦٥].
إذن: الحكمة من إرسال الرسول إقامة الحجة على المرسَل إليهم مجرد إقامة الحجة؛ لأن قضايا الدين قضايا حقٍّ فطري يهتدي إليها العقل السليم بفطرته؛ لذلك وقف المستشرقون طويلاً عند شخصية عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -.
يقولون: تذكرون عمر في كل شيء: في العدل تقولون عمر، وفي القوة تقولون عمر، وفي وجود رسول الله تقولون نزل القرآن موافقاً لكلام عمر، أليس عندكم إلا عمر؟
وكأن الحق - تبارك وتعالى - يدلُّنا بشخصية عمر إلى أنه سبحانه لم يُكلِّفنا بقضايا تنفر منها الفطرة، إنما بقضايا تقبلها فطرتنا السليمة، وتهتدي إليها بطبيعتها السوية الخالية من الهوى، وهذا عمر لم يكُنْ نبياً ولا رسولاً، لكن كان يصل إلى الحق بما فيه من فطرة إيمانية وعقلية سالمة من الأهواء، حتى وصلت به الفطرة السليمة إلى أنْ ينطق القرآن بنفس ما نطق به.
وكلمة ولولا... [القصص: ٤٧] تأتي بأحد معنيين: إنْ دخلتْ على الجملة الاسمية فهي حرف امتناع لوجود، كما لو قلت: لولا زيد عندك لَزرتُكَ، فامتنعتْ الزيارة لوجود زيد، ومن هذه قوله تعالى: ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ... [القصص: ٤٧] والتقدير: لولا إصابتهم.
فإنْ دخلتْ (لولا) على الجملة الفعلية أفادتْ الحثَّ والحضَّ، كما تقول لولدك: لولا ذاكرتَ دروسك، وكذلك لولا الثانية في الآية فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين [القصص: ٤٧].
ثم يقول الحق سبحانه: فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا... .
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي