قوله : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ نزلت هذه الآية جواباً للمشركين حين قالوا : لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِنَ القريتين عَظِيمٍ [ الزخرف : ٣١ ]، يعني الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي، أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم١.
قوله : مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة فيه وجوه :
أحدها : أنَّ ما نافية، فالوقف على «يَخْتَارُ »٢.
والثاني : ما مصدرية أي يختار اختيارهم، والمصدر٣ واقع موقع المفعول، أي مختارهم٤.
الثالث : أن يكون بمعنى «الذي » والعائد محذوف، أي ما كان لهم الخيرة فيه٥ كقوله : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور [ الشورى : ٤٣ ] أي منه٦، وجوَّز ابن عطية أن تكون كان تامة، ولهم الخيرة جملة مستأنفة، قال : ويتجه عندي أن يكون ما مفعول إذا قدَّرنا كان٧ التامة، أي : إن الله يختار كلَّ كائن، ولهم الخيرة مستأنف معناه : تعديد النعم عليهم في اختيار الله لهم لو قبلوا٨. وجعل بعضهم٩ في كان ضمير الشأن، وأنشد :
| ٤٠١٤ - أمِنْ سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ | لَوْ كَانَ ذَا مِنْكَ قَبْلَ اليَوْم مَعْرُوفُ١٠ |
قال شهاب الدين : لم يزل الناس يقولون : إن الوقف على «يَخْتَار » والابتداء بما١٧ على أنها نافية هو مذهب أهل السنة١٨، ونقل ذلك عن جماعة كأُبيٍّ وغيره١٩، وأن كونها موصولة متصلة «يَخْتَارُ » غير موقوف عليه هو مذهب المعتزلة، وهذا الزمخشري قد قرر كونها نافية وحصل غرضه في كلامه وهو موافق لكلام أهل السنة ظاهراً وإن كان لا يريده، وهذا الطبري من كبار أهل السنة منع أن تكون نافية، قال : لئلا يكون المعنى : أنه إن لم يكن لهم الخيرة فيما مضى وهي لهم فيما يستقبل، وأيضاً فلم يتقدم نفي٢٠، وهذا الذي قاله ابن جرير٢١ مرويّ عن ابن عباس٢٢، وقال بعضهم : ويختار لهم ما يشاؤه من الرسل ف «ما » على هذا واقعة على العقلاء٢٣.
فصل :
إن قيل :«ما » للإثبات فمعناه : ويختار الله ما كان لهم الخيرة، أي : يختار ما هو الأصلح والخير، وإن قيل : ما للنفي أي : ليس إليهم الاختيار، أو ليس لهم أن يختاروا على الله كقوله : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ ٢٤ [ الأحزاب : ٣٦ ] ثم قال منزِّهاً نفسه سبحانه وتعالى «عَمَّا يُشْرِكُونَ » أي : إن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة
٢ ورجحه مكي قال: (لأن كونها للنفي يوجب عموم جميع الأشياء في الخير والشر، أنها حدثت بقدر الله واختياره، وليس لمخلوق فيها اختيار غير اكتسابه بقدر من الله له). مشكل إعراب القرآن ٢/١٦٤، والوقف على "يختار" تام. انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/١٥١-١٥٢، إعراب القرآن للنحاس ٣/٢٤١، منار الهدى في بيان الوقف والابتدا (٢٩٣)..
٣ في ب: والمصدر فيه..
٤ حكاه أبو البقاء. التبيان ٢/١٠٢٤..
٥ قال الطبري. انظر جامع البيان ٢٠/٦٣..
٦ انظر الكشاف ٣/١٧٧..
٧ في ب: كانت..
٨ تفسير ابن عطية ١١/٣٢٥..
٩ نقله الطبري عن الفراء، وليس في معاني القرآن للفراء، انظر جامع البيان ٢٠/٦٣-٦٤..
١٠ البيت من بحر البسيط، وهو مطلع قصيدة لعنترة يقولها في امرأة أبيه، وهو في الديوان (٥٣)، جامع البيان ٢٠/٦٤، تفسير ابن عطية ١-/٣٢٤، والسبع الطوال لابن الأنباري (٣٥٣)، البحر المحيط ٧/١٢٩، وفي الديوان (سهية) بدل (سمية) وهو اسمها. تذريف: من ذرفت عليه عينه تذرف تذريفاً، وهو الدمع الذي يكاد يتصل في نزوله. والشاهد فيه أن في (كان) على هذه الرواية- وهي من إنشاء القاسم بن معن- ضمير شأن اسمها، و(ذا) خبرها، و(معروف) مبتدأ مؤخر، وما قبله خبر، تنزيلاً لـ (كان) منزلة (إن). ورواية الديوان: (لو أنَّ ذا منك)، وعليها فلا شاهد في البيت..
١١ تفسير ابن عطية ١١/٣٢٥..
١٢ بجزئيها: سقط من ب..
١٣ في ب: نظر..
١٤ انظر الكشاف ٣/١٧٦..
١٥ في ب: الجملة. وهو تحريف..
١٦ الكشاف ٣/١٧٦-١٧٧..
١٧ في ب: بما كان..
١٨ انظر القرطبي ١٣/٣٠٥..
١٩ انظر إعراب القرآن للنحاس ٣/٢٤١..
٢٠ انظر جامع البيان ٢٠/٦٣-٦٤..
٢١ في ب: ابن جريج..
٢٢ انظر القرطبي ١٣/٣٠٦، البحر المحيط ٧/١٢٩..
٢٣ الدر المصون ٥/٢٢٦، وانظر أيضاً القرطبي ١٣/٣٠٦..
٢٤ [الأحزاب: ٣٦]. وانظر البغوي ٦/٣٥٨-٣٥٩..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود