وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء أي يخلقه وَيَخْتَارُ ما يشاء أن يختاره. لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : ٢٣ ] وهذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم، أي الاختيار إلى الله مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة أي التخير، وقيل : المراد من الآية : أنه ليس لأحد من خلق الله أن يختار، بل الاختيار هو إلى الله عزّ وجلّ.
وقيل : إن هذه الآية جواب عن قولهم : لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ [ الزخرف : ٣١ ] وقيل : هذه الآية جواب عن اليهود حيث قالوا : لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به.
قال الزجاج : الوقف على ويختار تام على أن ما نافية. قال : ويجوز أن تكون ما في موضع نصب ب يختار ، والمعنى : ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة. والصحيح الأوّل لإجماعهم على الوقف. وقال ابن جرير : إن تقدير الآية : ويختار لولايته الخيرة من خلقه، وهذا في غاية من الضعف. وجوّز ابن عطية أن تكون «كان » تامة، ويكون لهم الخيرة جملة مستأنفة. وهذا أيضاً بعيد جداً. وقيل : إن «ما » مصدرية، أي : يختار اختيارهم، والمصدر واقع موقع المفعول به، أي ويختار مختارهم، وهذا كالتفسير لكلام ابن جرير، والراجح أوّل هذه التفاسير، ومثله قوله سبحانه : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة [ الأحزاب : ٣٦ ] والخيرة : التخير كالطيرة فإنها التطير، اسمان يستعملان استعمال المصدر، ثم نزّه سبحانه نفسه، فقال : سبحان الله أي تنزّه تنزّهاً خاصاً به من غير أن ينازعه منازع، ويشاركه مشارك وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي عن الذين يجعلونهم شركاء له، أو عن إشراكهم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني