وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون( ٦٨ ) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون( ٦٩ ) وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ( القصص : ٦٨-٧٠ ).
تفسير المفردات : الخيرة والتخيير : الاختيار باصطفاء بعض الأشياء وترك بعض، سبحان الله : أي تنزيها لله أن ينازعه في الاختيار.
المعنى الجملي : بعد أن وبخهم فيما سلف على اتخاذهم الشركاء، وذكر أنه يسألهم عنهم يوم القيامة تهكما بهم وتقريعا لهم - أردف ذلك بتجهيلهم على اختيار ما أشركوه واصطفائهم إياه للعبادة، وأبان لهم أن تمييز بعض المخلوقات عن بعض، واصطفاءه على غيره من حق الله لا من حقكم أنتم، والله لم يصطف شركاءكم الذين اصطفيتموهم للعبادة والشفاعة، فما أنتم إلا جهال ضلال.
الإيضاح : وربك يخلق ما يشاء ويختار أي وربك يخلق ما يشاء خلقه، وهو وحده سبحانه دون غيره يصطفي ما يريد أن يصطفيه ويختاره، فيختار أقواما لأداء الرسالة وهداية الخلق وإصلاح ما فسد من نظم العالم، ويميز بعض مخلوقاته عن بعض ويفضّله بما شاء، ويجعله مقدما عنده، وليس لهم إلا اتباع ما اصطفاه وهو لم يصطف شركاءهم الذين اختاروهم للعبادة والشفاعة، فما هم إلا في ضلال مبين، صدوا عن عمل ما يجب عليهم فعله طاعة لله ورسوله، وتصدّوا لما ليس من حقهم أن يفعلوه بحال.
ونحو الآية قوله : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ( الأحزاب : ٣٦ ) و قال الشاعر :
| العبد ذو ضجر والرب ذو قدر | والدهر ذو دول والرزق مقسوم |
| والخير أجمع فيما اختار خالقنا | وفي اختيار سواه اللوم والشّوم |
ويستحسن ألا يقدم أحد على أمر من الأمور حتى يسأل الله الخيرة فيه، وذلك بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة، يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة : قل يا أيها الكافرون ( الكافرون : ١ ) وفي الركعة الثانية : قل هو الله أحد ( الإخلاص : ١ ).
وعن جابر بن عبد الله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول :" إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين غير الفريضة، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، الله إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به ". قال " ويسمي حاجته ".
ثم أكد هذا وقرره بقوله :
ما كان لهم الخيرة أي ليس لهم أن يختاروا على الله شيئا، وله الخيرة عليهم، فله أن يرسل من يشاء رسولا بحسب ما يعلمه من الحكمة والمصلحة دون أن يكون ذلك منوطا بمال أو جاه كما خيل إلى بعض المشركين فقالوا : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ( الزخرف : ٣١ ).
ثم نزه سبحانه نفسه أن ينازعه في سلطانه أحد فقال :
سبحان الله وتعالى عما يشركون أي تنزيها له وعلوا عن إشراك المشركين، فليس لأحد أن ينازع اختياره أو يزاحمه فيه، لعلمه باستعداد خلقه وصلاحيتهم للاصطفاء، فإذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدي أحدا ممن يجب أو أراد أهل مكة أن يرسل الله رسولا من عظائمهم قال الله لهم : ليس لكم من الأمر شيء، فلا النبي صلى الله عليه وسلم بقادر على هدي عمه، ولا أهل مكة يصلون إلى أن تكون الرسالة في عظمائهم.
ثم بين اختياره تعالى مبني على العلم الصحيح لاختيارهم فقال : وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون .
المعنى الجملي : بعد أن وبخهم فيما سلف على اتخاذهم الشركاء، وذكر أنه يسألهم عنهم يوم القيامة تهكما بهم وتقريعا لهم - أردف ذلك بتجهيلهم على اختيار ما أشركوه واصطفائهم إياه للعبادة، وأبان لهم أن تمييز بعض المخلوقات عن بعض، واصطفاءه على غيره من حق الله لا من حقكم أنتم، والله لم يصطف شركاءكم الذين اصطفيتموهم للعبادة والشفاعة، فما أنتم إلا جهال ضلال.
تفسير المراغي
المراغي