ثم ذكر عاقبة سيد المتقين، فقال :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّيا أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ * وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
يقول الحق جل جلاله : لرسوله صلى الله عليه وسلم إن الذي فَرَضَ عليك القرآن أي : أوجب عليك تلاوته وتبليغه، والعمل بما فيه، لرادُّك إلى معاد عظيم، وهو المعاد الجسماني ؛ لتقوم المقام المحمود، الذي لا يقوم فيه أحد غيرك، مع حضور الأكابر من الرسل وغيرهم. أو : لرادك إلى معادك الأول، وهو مكة، وكان عليه الصلاة والسلام اشتاق إليها ؛ لأنها مولده ومولد آبائه، وقد ردّه إليها يوم الفتح، وإنما نكَّره ؛ لأنه كان في ذلك اليوم معاد له شأن، ومرجع له اعتداد ؛ لغلبته - عليه الصلاة والسلام - ونصره، وقهره لأعدائه، ولظهور عز الإسلام وأهله، وذل الشرك وحزبه.
والسورة مكية، ولكن هذه الآية نزلت بالجُحْفَةِ، لا بمكة ولا بالمدينة، وفي الآية وعد بالنصر، وأن العاقبة الحسنة والخير الجسيم للنبي صلى الله عليه وسلم لا يختص بالآخرة، بل يكون في الدنيا له ولمتَّبِعيهِ، ولكن بعد الابتلاء والامتحان، كما في صدر السورة الآتية بعدها، وبهذا يقع التناسب بينهما، فإنها كالتعليل لِمَا قبلها.
ولما وعده بالنصر قال له : قل ربي أعلم من جاء بالهُدى أي : يعلم مَنْ جاء بالحق، يعني نَفْسَهْ صلى الله عليه وسلم مع ما يستحقه من النصر والثواب، في معاده، ومن هو في ضلال مبين ؛ وهم المشركون، مع ما يستحقونه من العقاب في معادهم.
وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وَصَلَّى اللهُ على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسَلَّمَ. الله قُلْ، وذَرِ الْوُجُودَ وَمَا حَوَى إِنْ كُنْتَ مُرْتَاداً بُلُوغَ كَمَال فَالْكُلُّ، دون الله، إِن حَقَّقْتَهُ، عَدََمٌ عَلَى التَّفْصِيل وَالإجْمَالِ وَاعلَمْ بأنَّكَ، والعَوالِمَ كُلَّها، لَوْلاَهْ، فِي مَحْوٍ وَفِي اضْمِحْلاَلِ مَنْ لاَ وُجُودَ لِذَاتِهِ مِنْ ذَاتِهِ فَوُجُودُهُ، لولاه، عَيْنُ مُحَالِ فَالْعَارِفُون فَنَوْا، وَلَمْ يَشْهَدُوا شَيْئاً سِوَى المُتَكَبِّرِ الْمُتَعَالِ وَرَأَوْا سِوَاهُ عَلَى الحَقِيقَةِ هَالِكاً فِي الْحَاِلِ وَالْمَاضِي وَالاسْتِقْبَال
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي