ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان قال المفسرون : أي أنزل عليك القرآن. وقال الزجاج : فرض عليك العمل بما يوجبه القرآن، وتقدير الكلام : فرض عليك أحكام القرآن وفرائضه لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ قال جمهور المفسرين : أي إلى مكة. وقال مجاهد وعكرمة والزهري والحسن : إنّ المعنى : لرادّك إلى يوم القيامة، وهو اختيار الزجاج، يقال : بيني وبينك المعاد، أي يوم القيامة ؛ لأن الناس يعودون فيه أحياء. وقال أبو مالك وأبو صالح : لرادّك إلى معاد : إلى الجنة. وبه قال أبو سعيد الخدري، وروي عن مجاهد. وقيل : إلى مَعَادٍ : إلى الموت قُل رَّبّي أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى وَمَنْ هُوَ فِي ضلال مُّبِينٍ هذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم : إنك في ضلال، والمراد : من جاء بالهدى هو النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن هو في ضلال مبين : المشركون، والأولى حمل الآية على العموم، وأن الله سبحانه يعلم حال كلّ طائفة من هاتين الطائفتين، ويجازيها بما تستحقه من خير وشرّ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : سَرْمَداً قال : دائماً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه وَضَلَّ عَنْهُم يوم القيامة مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ قال : يكذبون في الدنيا. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه أيضاً إِنَّ قارون كَانَ مِن قَوْمِ موسى قال : كان ابن عمه، وكان يتبع العلم حتى جمع علماً فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى، وحسده، فقال له موسى : إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى، فقال : إن موسى يريد أن يأكل أموالكم جاءكم بالصلاة، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحتملون أن تعطوه أموالكم ؟ فقالوا : لا نحتمل فما ترى ؟ فقال لهم : أرى أن أرسل إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل، فنرسلها إليه، فترميه بأنه أرادها على نفسها، فأرسلوا إليها، فقالوا لها : نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك، قالت : نعم، فجاء قارون إلى موسى فقال : اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك، قال : نعم، فجمعهم فقالوا له : ما أمرك ربك ؟ قال : أمرني أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تصلوا الرحم كذا وكذا، وأمرني إذا زنا، وقد أحصن أن يرجم، قالوا : وإن كنت أنت. قال : نعم، قالوا : فإنك قد زنيت. قال : أنا ؟ فأرسلوا للمرأة فجاءت، فقالوا : ما تشهدين على موسى ؟ فقال لها موسى : أنشدك بالله إلاّ ما صدقت. قالت : أما إذا نشدتني بالله فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخرّ موسى ساجداً يبكي، فأوحى الله إليه : ما يبكيك ؟ قد سلطناك على الأرض، فمرها فتطيعك، فرفع رأسه، فقال : خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون : يا موسى يا موسى، فقال : خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم، فجعلوا يقولون : يا موسى يا موسى، فقال : خذيهم، فأخذتهم إلى أعناقهم، فجعلوا يقولون : يا موسى يا موسى، فقال : خذيهم، فأخذتهم فغشيتهم، فأوحى الله : يا موسى سألك عبادي وتضرّعوا إليك فلم تجبهم، وعزّتي لو أنهم دعوني لأجبتهم.
قال ابن عباس : وذلك قوله : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض خسف به إلى الأرض السفلى.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن خيثمة قال : كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغرّ محجل. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عنه قال : وجدت في الإنجيل أن بغال مفاتيح خزائن قارون غر محجلة لا يزيد مفتاح منها على إصبع لكل مفتاح كنز. قلت : لم أجد في الإنجيل هذا الذي ذكره خيثمة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لَتَنُوأُ بالعصبة قال : تثقل. وأخرج ابن المنذر عنه قال : لا يرفعها العصبة من الرجال أولو القوّة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال : العصبة أربعون رجلاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين قال : المرحين، وفي قوله : وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا قال : أن تعمل فيها لآخرتك. وأخرج ابن مردويه عن أوس بن أوس الثقفي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ في أربعة آلاف بغل. وقد روي عن جماعة من التابعين أقوال في بيان ما خرج به على قومه من الزينة، ولا يصحّ منها شيء مرفوعاً، بل هي من أخبار أهل الكتاب كما عرفناك غير مرّة، ولا أدري كيف إسناد هذا الحديث الذي رفعه ابن مردويه، فمن ظفر بكتابه، فلينظر فيه. وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله : فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض قال : خسف به إلى الأرض السفلى.
وأخرج المحاملي، والديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : تِلْكَ الدار الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً قال :«التجبر في الأرض والأخذ بغير الحق» وروي نحوه عن مسلم البطين، وابن جريج، وعكرمة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض قال : بغياً في الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : هو الشرف والعلوّ عند ذوي سلطانهم. وأقول : إن كان ذلك للتقوّي به على الحق، فهو من خصال الخير لا من خصال الشرّ. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب قال : إن الرجل ليحبّ أن يكون شسع نعله أفضل من شسع نعل صاحبه، فيدخل في هذه الآية تِلْكَ الدار الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكر هذه الرواية عن عليّ رضي الله عنه : وهذا محمول على من أحبّ ذلك لا لمجرّد التجمل، فهذا لا بأس به.
فقد ثبت : أن رجلاً قال : يا رسول الله إني أحبّ أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسنة. أفمن الكبر ذلك ؟ قال :«لا، إن الله جميل يحبّ الجمال» وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ بن أبي طالب : أنه قال : نزلت هذه الآية، يعني تِلْكَ الدار الآخرة إلخ في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم قال : لما دخل عليّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ألقي إليه وسادة، فجلس على الأرض، فقال : أشهد أنك لا تبغي علوًّا في الأرض، ولا فساداً فأسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك. وأخرج أيضاً ابن مردويه عن عليّ بن الحسين بن واقد : أن قوله تعالى : إنَّ الذى فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة حين خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس في قوله : لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ قال : إلى مكة. زاد ابن مردويه كما أخرجك منها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ قال : الآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، وأبو يعلى وابن المنذر عنه أيضاً في قوله : لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ قال : معاده الجنة، وفي لفظ : معاده آخرته. وأخرج الحاكم في التاريخ، والديلمي عن عليّ بن أبي طالب قال : لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ الجنة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس نحوه.
وأخرج ابن مردويه عنه قال : لما نزلت كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [ الرحمن : ٢٦ ] قالت الملائكة : هلك أهل الأرض، فلما نزلت كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت [ آل عمران : ١٨٥ ] قالت الملائكة : هلك كلّ نفس، فلما نزلت كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ قالت الملائكة : هلك أهل السماء والأرض. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ قال : إلاّ ما أريد به وجهه.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية