ثم يعطي الحق – تبارك وتعالى – لنبيه صلى الله عليه وسلم دليلا من واقع حياته ؛ ليطمئن على أنه مؤيد من ربه، وأنه سبحانه سيفى له بما وعد، ولن يتخلى عنه، وكيف يختاره للرسالة، ثم يتخلى عنه ؟
{ وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة
من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين٨٦ }
يعني : إذا كنت تتعجب، أو تستبعد أن نردك إلى بلدك ؛ لأن الكفار يقفون لك بالمرصاد، حتى أصبحت لا تصدق أن تعود إليها، فانظر إلى أصل الرسالة معك : هل كنت تفكر أو يتسامى طموحك إلى أن تكون رسولا ؟ إنه أمر لم يكن في بالك، ومع ذلك أعطاك الله إياه واختارك له، فالذي أعطاك الرسالة ولم تكن في بالك كيف يحرمك من أمر أنت تحبه وتشتاق إليه ؟
إذن : تقوم هذه الآية مقام الدليل والبرهان على صدق لرادك إلى معاد.. ٨٥ [ القصص ] وفي موضع آخر يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى، فيقول سبحانه : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء.. ٥٢ [ الشورى ] فالذي أعطاك الرسالة لا يعجز أن يحقق لك ما تريد.
وقوله تعالى : إلا رحمة من ربك.. ٨٦ [ القصص ] هذا استثناء يسمونه استثناء منقطعا.
والمعنى : ما كنت ترجو أن يلقي إليك الكتاب إنما ألقيناه وما ألقيناه إليك إلا رحمة لك من ربك.
وما دام هؤلاء الكفار عاندوك وأخرجوك، فإياك أن تلين لهم فلا تكونن ظهيرا للكافرين٨٦ [ القصص ] أي : معينا لهم مساندا، وكانوا قد اقترحوا على رسول الله أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدون إلهه سنة(١)، فحذره الله أن يعنيهم على ضلالهم، أو يجاريهم في باطلهم، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يناصر ظالما أو مجرما، حتى إن كان من أتباعه.
وسبق أن ذكرنا في تأويل قوله تعالى : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما١٠٥ [ النساء ] قصة اليهود زيد بن السمين لما جاءه المسلم طعمة بن أبيريق، وأودع عنده درعا له، وكان هذا الدرع مسروقا من آخر اسمه قتادة بن النعمان، فلما افتقده قتادة بحث عنه حتى وجده في بيت الهودي، وكان السارق قد وضعه في كيس للدقيق، فدل أثر الدقيق على مكان الدرع فاتهموا اليهودي بالسرقة، ولما عرفوا حقيقة الموقف أشفقوا أن ينتصر اليهودي على المسلم، خاصة وهم حديثو عهد بالإسلام، حريصون على ألا تشوه صورته.
لذلك شرحوا لرسول الله هذه المسألة، لعله يجد لها مخرجا، فأدار رسول الله المسألة في ٍرأسه قبل أن يأخذ فيها حكما ؛ وعندها نزل(٢) الوحي على رسول الله : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس.. ١٠٥ [ النساء ] أي : جميع الناس، المؤمن والكافر بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما١٠٥ [ النساء ] أي : تخاصم من أجلهم ولصالحهم واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما١٠٦ [ النساء ] أي : مما خطر ببالك في هذه المسألة.
وفي بعض الآيات نجد في ظاهرها قسوة على رسول الله وشدة مثل : ولو تقول علينا بعض الأقاويل ٤٤ لأخذنا منه باليمين٤٥ ثم لقطعنا منه الوتين٤٦ [ الحاقة ]
وكل ما يكون في القرآن من هذا القبيل لا يقصد به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما الحق سبحانه يريد أن يعطي للأمة نموذجا يلفت أنظارهم، وكأنه تعالى يقول لنا : انتبهوا فإذا كان الخطاب لرسول الله بهذه الطريقة، فكيف يكون الخطاب لكم ؟
كان يكون عندك خادم يعبث بالأشياء حوله، فتوجه الكلام أنت إلى ولدك : والله لو عبثت بشيء لأفعلن بك كذا وكذا، فتوجه الزجر إلى الولد، أنت تقصد الخادم، على حد المثل القائل ( إياك أعني واسمعى يا جارة ).
لذلك يقول بعض العارفين :
ما كان في القرآن من نذارة***إلى النبي صاحب البشارة
فكن لبيبا وافهم الإشارة***إياك أعني واسمعي يا جارة
يعني : اسمعوا يا أمه محمد، كيف أخاطبه، وأوجه إليه النذراة، مع أنه البشير.
٢ أورده الواحدي النيسابوري في ((أسباب النزول))(ص١٠٣)، وقال: ((هذا قول جماعة من المفسرين))..
تفسير الشعراوي
الشعراوي