ﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴ

قوله :«حُسْناً » فيه أوجه :
أحدها : أنه نعت مصدر محذوف أي ( إيصَاءً )١ حسناً، إما على المبالغة جعل نفس الحسن، وإما على حذف مضاف ( أي : ذا حُسنٍ )٢.
الثاني : أنه مفعول به٣، قال ابن عطية :«وفي ذلك تجوز »، والأصل ووصينا الإنسان بالحسن في فعله مع والديه٤، ونظير ذلك قول الشاعر :

٤٠٢٥ - عَجِبْتُ مِنْ دَهْمَاءَ إذْ تَشْكُونَا وَمِنْ أَبِي دَهْمَاءَ إذْ يُوصينا
خَيْراً بِهَا كَأَنَّمَا خَافُونَا٥ . . . . . .
ومنه قول الحطيئة :
٤٠٢٦ - ( وَصَّيْتَ٦ مِنْ بَرَّةَ قَلْباً حَرَّا بِالْكَلْبِ خَيْراً وبِالحَمَاةِ شَرَّا٧
وعلى هذا فيكون الأصل : وصيناه بحسن في بر والديه، ثم جر «الوالدين » بالهاء فانتصب حسناً وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه الحالة للظرفية٨.
الثالث : أن «بوالديه » هو المفعول الثاني، فنصب «حسناً » بإضمار فعل، أي يحْسُن حسناً، فيكون مصدراً مؤكداً كذا قيل٩.
وفيه نظر، لأَنَّ عامل المؤكد لا يحذف١٠.
الرابع : أنه مفعول به على التضمين أي من ألزمناه حسناً١١.
الخامس : أنه على إسقاط الخافض أي «بحُسْنٍ »١٢.
وعبر صاحب التحرير١٣ عن ذلك بالقطع. ١٤
السادس : أن ( بعض )١٥ الكوفيين قدره ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه حسناً١٦. وفيه حذف «أن » وصلتها، وإبقاء معمولها، ولا يجوز عند البصريين١٧.
السابع : أن التقدير : وصيناه بإيتاء والديه حسناً١٨. وفيه حذف المصدر وإبقاء معموله ولا يجوز١٩.
الثامن : أنه منصوب انتصاب «زيداً » في قولك لمن رأيته متهيئاً للضرب «زَيْداً » أي اضرب زيداً، والتقدير هنا : أَوْلهما حسناً، أو افعل بهما حسناً. قالهما الزمخشري٢٠.
وقرأ عيسى٢١ والجحدري٢٢ :«حَسَناً »٢٣ وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل. وقد تقدم ذلك في أوائل البقرة٢٤.
وقرئ : إحساناً٢٥، من قوله تعالى : وبالوالدين إِحْسَاناً [ الإسراء : ٢٣ ].

فصل :


معنى حسناً أي برّاً بهما، وعطفاً عليهما، والمعنى : ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن٢٦. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان٢٧ والأحقاف٢٨ في سعد بن أبي وقاص٢٩، وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري وأمه حُمْنَةُ بنت أبي سفيان بن أمية من عبد شمس، لما أسلم، وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأمه، قالت أمه : ما هذا الدين الذي أَحْدَثْتَ ؟ والله لا آكلُ ولا أشربُ حتى ترجعُ إلى ما كنت عليه أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، ويقال : يا قاتل أمِّهِ.
ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب ( ولم تَسْتَظِلَّ فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يوماً آخر لم تأكل ولم تشرب )٣٠ فجاء «سعد » إليها، وقال يا أُمَّاهُ : لو كانت مائة نفس ( فخرجت نفساً )٣١ نفساً ما تركت ديني فكُلِي، وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية٣٢، وأمره الله بالبر بوالديه والإحسان إليهما.
واعلم أنه إنما أمر بالإحسان للوالدين لأنهما سبب وجود الولد بالولادة وسبب بقائه بالتربية المعتادة، والله تعالى بسبب٣٣ له في الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة للسعادة، فهو أولى بأن يحسن العبد حاله ( معه )٣٤.
قوله : وَإِن جَاهَدَاكَ لتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا .
قال عليه ( الصلاة )٣٥ والسلام :«لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معصية الله »٣٦ ثم أوعد بالمصير إليه، فقال : إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها كأنه تعالى يقول : لا تظنوا أني غائب عنكم وآباؤكم حاضرون فتوافقون الحاضرين في الحال اعتماداً على غيبتي، وعدم علمي بمخالفتكم فإني حاضر معكم أعلم ما تفعلون، ولا أنسى فأنبئكم بجميعه٣٧.
١ سقط من ب..
٢ سقط من ب كذلك..
٣ وانظر هذا في مشكل إعراب القرآن ٢/١٦٦ والبحر المحيط ٧/١٤٢، الدر المصون ٤/٢٩٥..
٤ البحر المحيط ٧/١٤١..
٥ أرجاز مجهولة القائل والشاهد: يوصينا خيراً بها" حيث تعدى الفعل إلى المفعول الثاني بالباء وهو الأصل في تعدية هذا الفعل وأشباهه حيث لا يقال: وصيته خيراً، وانظر: القرطبي ١٣/٣٢٩، والبحر المحيط ٧/١٤٢ ومعاني الفراء، تحقيق محمد علي النجار- الهيئة العامة للكتاب ٢/١٢٠، وفتح القدير ٤/١٩٣، والدر المصون ٤/٢٩٥..
٦ البيت كله سقط من ب..
٧ الرواية المشهورة في الشطر الثاني: "والحماة شرّا" بدون الباء. وقد نسب إلى الخطيئة خطأً، وإنما هو لأبي النجم العجلي وبعده:
لا تسأمي نهكاً لها وضرّاً والحيَّ عمّيهم بشرٍّ طرَّا
وشاهده: "وصيت من برة" حيث عدى الفعل "وصى" إلى المفعول الثاني بالباء. ويروى: "أوصيت" وهو فرق لفظي لا معنوي. وانظر: الكامل للمبرد ٢/٩٤، ٩٥ تحقيق محمد أبو الفضل نهضة مصر ١٩٨١م والمسائل العسكرية للفارسي ١٦٣ تحقيق د/ محمد الشاطر ط المدني ١٤٠٣ هـ/١٩٨٢ م، ومعاهد التنصيص للعباسي البهية ١٣١٦ هـ (١/٩) والدر المصون (٤/٢٩٥)..

٨ قاله أبو حيان في البحر بالمعنى والسمين في الدر باللفظ ٤/٢٩٥..
٩ وهو رأي ابن عطية فيما نقله أبو حيان في البحر المرجع السابق..
١٠ قاله السمين في الدر ٤/٢٩٥..
١١ قيل في المرجع السابق وقاله أيضاً أبو البقاء في التبيان ١٠٢٩..
١٢ نقله أبو حيان في بحره ولم يعينه أي لم يعين من قال به. وانظر كذلك الدر المصون ٤/٢٩٥..
١٣ لعله التحرير والتخيير لأقوال أئمة التفسير في معاني كلام السميع البصير للشيخ العلامة جمال الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان المعروف بابن النقيب المقدسي الحنفي المتوفى سنة ٦٩٨ هـ وهو كبير في نيف وخمسين مجلداً، انظر: كشف الظنون لحاجي خليفة ١/٣٠٨ دار العلوم الحديثة بيروت..
١٤ القرطبي ١٣/٣٢٧، ٣٢٨ وانظر: البحر المحيط أيضاً المرجع السابق..
١٥ سقط من ب..
١٦ المرجعين السابقين..
١٧ في الكتاب ١/٣٠٧. تحقيق هارون، الخانجي أن حذف أن دون صلتها يجوز في الشعر للاضطرار، يقول: "فحملوه على أن، لأن الشعراء قد يستعملون أن ههنا مضطرين"..
١٨ الكشاف ٣/١٩٧..
١٩ قاله أبو حيان في البحر ٧/١٤٢..
٢٠ الكشاف ٣/١٩٧، ١٩٨..
٢١ المراد به عند الإطلاق عيسى بن عمر الثقفي، أخذ عن عبد الله بن أبي إسحاق، وغيره، وأخذ عنه الخليل له كتابات في النحو وكان مشهوراً في القراءات، ثقة، عالماً بالعربية، وكان يتقعر في العربية مات سنة ١٤٩ هـ، انظر: أخبار النحويين البصريين ٢٥ ونزهة الألباء جمعية إحياء مآثر علماء العرب، د. ت ١٣، ١٤، ١٥..
٢٢ تقدم..
٢٣ البحر المحيط ٧/١٤٢، والكشاف ٣/١٩٨، ومختصر ابن خالويه ١١٤ وهي شاذة..
٢٤ يشير إلى قوله تعالى: وقولوا للناس حسناً[البقرة: ٨٤]، وانظر: اللباب ١/٧٠..
٢٥ نقلها الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/١٦١..
٢٦ السابق..
٢٧ وهي قوله: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن[لقمان: ١٤]..
٢٨ وهي: ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمُّه كرهاً ووضعته كرهاً[الأحقاف: ١٥]..
٢٩ انظر تفسير الإمام ابن كثير ٣/٤٤٥..
٣٠ ما بين القوسين سقط من ب..
٣١ سقط كذلك من ب..
٣٢ وانظر أيضاً أسباب النزول للسيوطي ١٣٣، وتفسير فتح القدير ٤/١٩٥..
٣٣ كذا في النسختين وفي الرازي: سبب..
٣٤ ساقط من "أ" والأصل..
٣٥ زيادة من "ب"..
٣٦ الحديث رواه ابن ماجه في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه في الجهاد بلفظ "لا طاعة لمن عصى الله" وانظر: ابن ماجه ٢/٩٥٦..
٣٧ قاله الرازي في التفسير الكبير ٢٥/٣٦..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية