ثم أعاد النهي عن الفرقة، تأكيدا لذمها، فقال :
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ * وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ
يقول الحقّ جلّ جلاله : ولا تكونوا كاليهود والنصارى الذين تفرقوا في التوحيد والتنزيه، واختلفوا في أحوال الآخرة. قال عليه الصلاة والسلام :" افْتَرقَتِ اليَهُودُ على إِحْدَى وسَبْعِين فرقَةً، وافْتَرقَت النَّصارَى عَلَى ثَنْتَيْنِ وسَبْعِين فِرقَةٌ، وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقةً، كلُّها في النَّارِ إلا وَاحِدةً. قيل : ومَنْ تلك الواحدة ؟ قال : ما أَنَا وأَصْحابِي عَلَيْه ". وهذا الحديث أصح مما تقدم، والصحابة يروْوُن الحديث بالمعنى، فلعلَّ الأول نسي بعض الحديث. والله أعلم.
ثم إن النهي مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع، لقوله عليه الصلاة والسلام :" اخْتلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ "، ولقوله :" من اجْتَهَدَ وأصَابَ فله أجْرَانِ، ومن اجْتَهدَ وأخطَأَ فَلَهُ أجْرٌ وَاحد ".
ثم إن أهل الكتاب تفرقوا من بعد ما جاءهم البينات أي : الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه، وأولئك لهم عذاب عظيم ، يستقر لهم هذا العذاب.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي