ذلك العذاب بما قدمت أيديكم من القتل وغير ذلك من المعاصي، وعبر بالأيدي عن الأنفس لأن أكثر الأعمال المحسوسة بهن وأفعال القلوب واللسان يلزمها ويظهرها أعمال الجوارح وأن الله ليس بظلام للعبيد عطف على ما قدمت، ووجه سببيته نفي الظلم من الله تعالى لتعذيب الكفار أن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء. فإن قيل : نفي الظلم لازم لذاته تعالى لأن الظلم من القبائح التي يجب تنزيه الله تعالى عنه، وإذا كان نفي الظلم مستلزما للعدل المستلزم لإثابة المحسن ومعاقبة العاصي يلزم وجوب الإثابة والمعاقبة وذلك مذهب المعتزلة خلافا لأهل السنة ؟ قلنا : الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه وذلك غير متصور من الله تعالى لأنه يستلزم التصرف في غير ملكه بغير إذن المالك أو على خلاف ما أمره به، والله سبحانه لو عذب أهل السماوات والأرض بغير جرم منهم لا يكون ذلك ظلما لأنه المالك على الإطلاق يتصرف في ملكه كيف يشاء، فالظلم المنفي في هذا المقام ليس بمعناه الحقيقي بل أريد هاهنا فعله تعالى بعبده ما يعد ظلما لو جرى فيما بينهم وإن لم يكن ذلك ظلما لو صدر منه تعالى، ونفي الظلم بهذا المعنى ليس بواجب عليه سبحانه بل هو مبني على الفضل. وجاز أن يقال معنى الآية أن عدم انتقام الأنبياء من الذين قتلوهم وظلموهم وكذبوهم في صورة الظلم على الأنبياء، وذلك وإن لم يجب على الله تعالى في ذاته لكن بمقتضى فضله على الأنبياء الانتقام من أعدائهم تعذيبهم فالمراد بالعبيد هاهنا الأنبياء وفيه منقبة لهم بكمال انقيادهم وعبوديتهم طوعا مثل انقياد جميع الأشياء له تعالى قسرا وكرها، وهاهنا توجيه آخر وهو أن يقال : إن فيه إشارة إلى أن الكفار استحقوا العذاب بحيث لو لم يعذبهم الله تعالى لكان ظلما عليهم ومنعا لحقهم، فهذه الجملة كأنها تأكيد لوقوع العذاب عليهم.
التفسير المظهري
المظهري