وجعلت تقبل بين عينيه وتبكى فقلت لها يا أيتها الباكية ان أباك نحبه قد مضى وورد دار الجزاء فان كان محسنا فله الزلفى فان كان مسيئا فوارد دار من أساء فصاحت ثم ماتت فبقيت حزينا عليهما فرأيتهما فى المنام فى احسن مقام عليهما حلتان خضراوتان فسألت عن حاليهما فقال الشيخ
أنت شريكى فى الذي نلته
فقم وشاهد يا أبا عامر
وكل من ايقظ ذا غفلة
فنصف ما يعطاه للآمر
ثم قال قدمت على رب كريم غير غضبان فاسكننى الجنان وزوجنى من الحور الحسان فاحرص يا أبا عامر على كثرة الدعاء والاستغفار الى الله الملك الغفار وطلب المغفرة آناء الليل وأطراف النهار من شيم الأخيار والأبرار. واعلم ان من تنصح بكلمة فقد آمن بمنادى الحق على لسان عبده فنجا من نيرانه ووصل الى المغفرة والرحمة فى جنانه- روى- ان حدادا كان يمسك الحديد المحمى بيده فسئل عنه فقال عشقت امرأة فراودتها وعرضت عليها مالا فقالت ان لى زوجا لا احتاج الى المال ثم مات زوجها فطلبت ان أتزوجها فامتنعت وقالت لا أريد إذلال أولادي ثم بعد زمان احتاجت فارسلت الى فقلت لا أعطيك شيأ حتى تعطينى مرادى فلما دخلت معها موضعا ارتعدت فقلت مالك فقالت أخاف الله السميع البصير فتركتها فقالت انجاك الله من النار فمن ذلك الوقت لا تحرقنى نار الدنيا وأرجو من الله تعالى ان لا تحرقنى نار الآخرة فمن خشى الرحمن وذكر انه بمحضر من الله فهو لا يجترئ على الذنب والآثام فيسلم من عذاب النار ويتنعم فى دار السلام عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي ﷺ (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همّ فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب) واما الدعاء فهو مخ العبادة وينفع فى الدنيا فيدفع الآفات واما فى الآخرة فان الله يعطيه هدايا على أيدي الملائكة ويقول ان هذه فى مقابلة دعائك فى الدنيا
از آستان حضرت حق سر چرا كشم
دولت درين سرا وكشايش درين درست
قال الحافظ
هر كه خواهد كوبيا وهر چهـ خواهد كو بگو
كبر وناز وحاجب ودربان درين دركاه نيست
حقق الله رجاءنا وقبل دعاءنا وأعطانا ما هو خير لنا فى الدنيا والآخرة رَبَّنا وَآتِنا أعطنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ على تصديق رسلك او على ألسنة رسلك من الثواب والكرامة وَلا تُخْزِنا لا تهنا يَوْمَ الْقِيامَةِ بان تعصمنا مما يقتضيه إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ اسم مصدر بمعنى الوعد وهذا الدعوات وما فى تضاعيفها من كمال الضراعة والابتهال ليست لخوفهم من اخلاف الميعاد بل لخوفهم ان لا يكونوا من جملة الموعودين لسوء عاقبة او قصور فى الامتثال فمرجعها الى الدعاء بالتثبيت او للمبالغة فى التعبد والخشوع. ثم قوله وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ شبيه بقوله وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فانه ربما ظن الإنسان انه على الاعتقاد الحق والعمل الصالح ثم انه يوم القيامة يظهر له ان اعتقاده كان ضالا وعمله كان ذنبا فهناك تحصل الحجالة العظيمة والحسرة الكاملة والأسف الشديد وذلك هو العذاب الروحاني وهو أشد من العذاب
صفحة رقم 149
الجسماني ومما يدل على هذا انه سبحانه حكى عن هؤلاء العباد المؤمنين انهم طلبوا فى هذه الأنواع الخمسة من الدعاء أشياء فاول مطالبهم الاحتراز عن العذاب الجسماني وهو قوله فَقِنا عَذابَ النَّارِ وآخرها الاحتراز عن العذاب الروحاني وهو قوله وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ ذلك يدل على ما قلنا ولذلك قالوا الفرقة أشد من الحرقة: قال مولانا جلال الدين رومى قدس سره
جور دوران وهر آن رنجى كه هست
سهلتر از بعد حق وغفلتست
كر جهاد وصوم سختست وخشن
ليك اين بهتر ز بعد اى ممتحن
فليسارع المؤمن الى الطاعات ليدخل فى زمرة من وعد الله لهم من الكرامات. عن جابر رضى الله عنه كنا عند رسول الله ﷺ فقال (ألا أحدثكم بغرف الجنة) قلنا بلى يا رسول الله قال (ان فى الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها وفيها من النعيم واللذات ما لا عين رأت ولا اذن سمعت) قلت يا رسول الله لمن هذه الغرف قال (لمن أفشى السلام واطعم الطعام وادام الصيام وصلى بالليل والناس نيام). وعن ابى بكر الوراق رحمه الله طلبنا اربعة فوجدناها فى اربعة. وجدنا رضى الله فى طاعته. وسعة الرزق فى صلاد الضحى. وسلامة الدين فى حفظ اللسان. ونور القبر فى صلاة الليل. وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان الرسول ﷺ قال (آخر من يدخل الجنة رجل يمشى مرة ويسقط اخرى وتأخذه النار فاذا جاوزها التفت إليها ويقول سبحان من نجانى منك قد أعطاني شيأ ما أعطاه لأحد من الأولين والآخرين فيرفع له شجرة عظيمة الظل فيشتاق الى ظلها فيقول اى رب أدنني منها ولا اسألك غيرها فيدنيه منها ويشرب من مائها ثم يرفع له شجرة أعظم من الاولى فيقول اى رب أدنني منها ويعاهد ان لا يسأل غيرها فيدنيه منها فيرفع له شجرة أعظم مما تقدم فيسأله ان يدنيه فاذا ادنى سمع أصوات اهل الجنة ويقول اى رب لو أوصلتها لا اسألك فيقول الله يا ابن آدم ما اغدرك كم تعاهد وتكذب أترضى ان أعطيك مثل الدنيا ومثلها فيقول أتستهزئ بي وأنت رب العالمين) ثم ضحك ابن مسعود فقالوا مم تضحك فقال هكذا ضحك رسول الله ﷺ فقالوا مم ضحك رسول الله قال من ضحك رب العالمين (فيقول الله لا استهزئ ولكنى على ما أشاء قدر) - حكى- ان والدي معروف الكرخي كانا من النصارى وكان معلم النصارى يقول لمعروف قل ثالث ثلاثة فيقول معروف بل هو الأحد الصمد فيضربه المعلم فهرب يوما فقال والداه لوجاء معروف فعلى أي دين وجدناه تبعناه فجاء على دين الإسلام فأسلما قال النبي عليه السلام (ما منكم من أحد الا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى الأشياء قدمه ثم ينظر عن يساره فلا يرى الأشياء قدمه فيستقبله الناس فمن استطاع منكم ان يتقى النار ولو بشق تمرة فليفعل) - حكى- ان عجوزا كافرة كانت تطعم الطير ذرة فى ايام الشتاء فرآها ذو النون المصري فقال ان الله تعالى لا يقبل من عدو ثم رآها فى الكعبة قد أسلمت فقالت يا ذا النون انه أعطاني الإسلام بما رأيته
بي كرم آدمي نه از بشرست
از شجر بلكه از حجر بترست
شجرى كان نمى دهد ثمرى
معتبر نيست لائق تبراست
صفحة رقم 150
عصمنا الله تعالى وإياكم من النار وأدخلنا الجنة مع الأسخياء والأبرار فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ الى طلبتهم وهو أخص من أجاب فان أجاب معناه أعطاه الجواب وهو قد يكون بتحصيل المطلوب وبدونه واستجاب انما يقال لتحصيل المطلوب ويعدى بنفسه وباللام أَنِّي اى بانى لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ وهو ما حكى عنهم من المواظبة على ذكر الله تعالى فى جميع حالاتهم والتفكر فى مصنوعاته استدلالا واعتبارا والثناء على الله بالاعتراف بربوبيته وتنزيهه عن العبث وخلق الباطل والاشتغال بالدعاء وجعل هذه الأعمال سببا للاستجابة يدل على ان استجابة الدعاء مشروطة بهذه الشروط وبهذه الأمور فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بيان لعامل وتأكيد لعمومه وهذا يدل على انه لا تفاوت فى الاجابة وفى الثواب بين الذكر والأنثى إذا كانا جميعا فى التمسك بالطاعة على التوبة والفضل فى باب الدين بالأعمال لا بسائر صفات العالمين لان كون بعضهم ذكرا او أنثى او من نسب خسيس او شريف لا تأثير له فى هذا الباب بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ لان الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر. قال الامام فيه وجوه أحسنها ان يقال من بمعنى الكاف اى بعضكم كبعض فى الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. قال القفال هذا من قولهم فلان منى اى على خلقى وسيرتى وهى معترضة بين بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد للعمال- روت- أم سلمة قالت يا رسول الله انى اسمع الله يذكر الرجال فى الهجرة ولا يذكر النساء فنزل قوله تعالى أَنِّي لا أُضِيعُ الى آخره اى كما ان بعضكم من بعض كذلك أنتم فى ثواب العمل تثاب المرأة المعاملة كما يثاب الرجل العامل وبالعكس فلا أثيب بعضا واحرم آخر فَالَّذِينَ هاجَرُوا تفصيل لاعمال العمال منهم وما أعد لهم من الثواب على المدح والتعظيم كأنه قال فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهى المهاجرة من مبتدأ او طانهم فارّين الى الله بدينهم من دار الفتنة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ اى اضطروا الى الخروج من ديارهم التي ولدوا فيها ونشأوا بايذاء المشركين.
قال الامام المراد من قوله فَالَّذِينَ هاجَرُوا الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم فى خدمة الرسول والمراد من الذين اخرجوا من ديارهم الذين الجأهم الكفار ولا شك ان رتبة الأولين أفضل لانهم اختاروا خدمة الرسول وملازمته على الاختيار فكانوا أفضل وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي فى سبيل الحق ودين التوحيد بسبب ايمانهم بالله ومن اجله وهو متناول لكل اذية نالتهم من قبل المشركين وَقاتَلُوا اى الكفار فى سبيل الله وَقُتِلُوا استشهدوا فى القتال لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ اى والله لأمحوّن عنهم سيآتهم وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً الثواب فى الأصل اسم لما يثاب به كالعطاء اسم لما يعطى الا انه قد يوضع موضع المصدر فهو مصدر مؤكد بمعنى اثابة لان تكفير السيئات وإدخال الجنة فى معنى الاثابة اى لأثيبنهم بذلك اثابة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ صفة له اى كائنة من عند الله قصد بتوصيفه به تعظيم شأنه فان السلطان العظيم الشان إذا قال لعبده ألبسك خلعة من عندى دل ذلك على كون تلك الخلعة فى غاية الشرف وأكد كون
صفحة رقم 151
ذلك الثواب فى غاية الشرف بقوله وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ اى حسن الجزاء على الطاعات قادر عليه وهو نعيم الجنة الباقي لا كنعيم الدنيا الفاني
نعيم آخرت باقيست اى دل
خنك آنكس كه باشد عبد مقبل
ولا يخفى ان هذا الجزاء العظيم والاجر الجسيم للذين جمعوا بين المهاجرة والإخراج من الأوطان والتأذى فى سبيل الله والقتال والمقتولية. فعلى السالك ان يهاجر من وطن النفس والعمل السيئ والخلق الذميم ويخرج من ديار الطبيعة الى عالم الحقيقة حتى يدخل مقام العندية الخاصة فان ثمرات المجاهدات المشاهدات والعمل الصالح يستدل به على حسن العاقبة- روى- ان صفوان بن سليم كان يجتهد فى العبادة والقيام وكان يبيت على السطح فى ايام الشتاء لئلا يستريح من البرد وفى الصيف ينزل الى بيته ليعذب نفسه بحر الهولء وكان عادته ذلك الى ان مات فى سجدته ووصل الى رحمة الله وجنته فهذا هو الاجتهاد فعليك به فان احتالت نفسك عليك فى ذلك فحدثها بأخبار السلف وأحوالهم وحكاياتهم كى ترغب فى الطاعة والاجتهاد فان فى ذلك نفعا كليا وتأثيرا عظيما: قال الفاضل الجامى قدس سره
هجوم نفس وهوا كز سپاه شيطانند
چوزور بر دل مرد خدا پرست آرد
بجز جنود حكايات رهنمايا خود
چهـ تاب آنكه بران رهزنان شكست آرد
فان قالت النفس انهم كانوا رجالا أقوياء كيف يدانى بهم فى الطاعة من خلفهم فحدثها بأخبار النساء كيف كن إناثا ومع ذلك لم يتخلفن عن مجاهدات الرجال حتى وصلن الى ما وصلوا اليه كرابعة العدوية وغيرها: قال بعضهم
ولو كان النساء كمن ذكرنا
لفضلت النساء على الرجال
فلا التأنيث لاسم الشمس عيب
ولا التذكير فخر للهلال
: قال الشيخ السعدي قدس سره
زنانى كى طاعت برغبت برند
ز مردان نا پارسا بگذرند
ترا شرم نايد ز مردئ خويش
كه باشد زنانرا قبول از تو بيش
قال الحسن البصري رحمه الله يا عجبا لأقوام بلا زاد وقد نودوا بالرحيل وحبس أولهم لآخرهم وهم قعود يلعبون- حكى- ان ملك الموت دخل على بعض الصالحين ليقبض روحه فقال مرحبا انا والله منذ خمسين سنة أتأهب لك. ولما بلغ عبد الله بن المبارك النزع فتح عينه ثم ضحك فقال لمثل هذا فليعمل العاملون. قال بعض العلماء من أراد ان ينال الجنة فعليه ان يداوم على خمسة أشياء. الاول ان يمنع نفسه من المعاصي قال الله تعالى وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى والثاني ان يرضى باليسير من الدنيا لانه روى فى الخبر (ان ثمن الجنة الطاعة وترك الدنيا). والثالث ان يكون حريصا على الطاعات ويتعلق بكل طاعة فلعل تلك الطاعة تكون سبب المغفرة ووجوب الجنة قال الله تعالى وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. والرابع ان يحب الصالحين
صفحة رقم 152