لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ فَمَعْنَى " مِنَّا " عَلَى طَرِيقَتِنَا، وَمَا نَحْنُ عَلَيْهِ لَا فَرْقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. وَهَذِهِ الْآيَةُ تَرْفَعُ قَدْرَ النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ فِي أَنْفُسِهِنَّ، وَعِنْدَ الرِّجَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ جَمِيعَ الْأُمَمِ كَانَتْ تَهْضِمُ حَقَّ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَتَعُدُّهَا كَالْبَهِيمَةِ الْمُسَخَّرَةِ لِمَصْلَحَةِ الرَّجُلِ وَشَهْوَتِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ بَعْضَ الْأَدْيَانِ فَضَّلَتِ الرَّجُلَ عَلَى الْمَرْأَةِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ ذَكَرًا وَكَوْنِهَا أُنْثَى، وَبَعْضُ النَّاسِ عَدَّ الْمَرْأَةَ غَيْرَ أَهْلٍ لِلتَّكَالِيفِ الدِّينِيَّةِ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا رُوحٌ خَالِدَةٌ - مَنْ عَلِمَ هَذَا قَدَّرَ هَذَا الْإِصْلَاحَ الْإِسْلَامِيَّ لِعَقَائِدِ الْأُمَمِ، وَمُعَامَلَاتِهَا حَقَّ قَدْرِهِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الْإِفْرِنْجُ مِنَ السَّبْقِ إِلَى الِاعْتِرَافَاتِ بِكَرَامَةِ الْمَرْأَةِ، وَمُسَاوَاتِهَا لِلرَّجُلِ بَاطِلٌ، بَلِ الْإِسْلَامُ السَّابِقُ. وَأَنَّ شَرَائِعَهُمْ وَتَقَالِيدَهُمُ الدِّينِيَّةَ وَالْمَدَنِيَّةَ لَا تَزَالُ تُمَيِّزُ الرَّجُلَ عَلَى الْمَرْأَةِ. نَعَمْ، إِنَّ لَهُمْ أَنْ يَحْتَجُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالتَّقْصِيرِ فِي تَعْلِيمِ النِّسَاءِ، وَتَرْبِيَتِهِنَّ، وَجَعْلِهِنَّ عَارِفَاتٍ بِمَا لَهُنَّ، وَمَا عَلَيْهِنَّ، وَنَحْنُ نَعْتَرِفُ بِأَنَّنَا مُقَصِّرُونَ تَارِكُونَ لِهِدَايَةِ دِينِنَا، صِرْنَا حُجَّةً عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَجَانِبِ، وَفِتْنَةً لَهُمْ، وَأَمَّا مَا يَفْضُلُ بِهِ الرِّجَالُ النِّسَاءَ فِي الْجُمْلَةِ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْعَقْلِ، وَمَا يَقُومُونَ بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّذِي رُبَّمَا كَانَ سَبَبُهُ مَا جَرَى عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَحْوَالِ الِاجْتِمَاعِ، وَكَذَا جُعِلَ حَظُّ الرَّجُلِ فِي الْإِرْثِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، لِأَنَّهُ يَتَحَمَّلُ نَفَقَتَهَا، وَيُكَلَّفُ مَا لَا تُكَلَّفُهُ، فَلَا دَخْلَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّفَاضُلِ عِنْدَ اللهِ - تَعَالَى - فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالْكَرَامَةِ وَضِدِّهَا، بَلْ سَوَّى اللهُ - تَعَالَى - بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَتَّى فِي الْحُقُوقِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ إِلَّا مَسْأَلَةَ الْقِيَامِ وَالرِّيَاسَةِ، فَجَعَلَ لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [ص٢٩٩ وَمَا بَعْدَهَا ج ٢ ط الْهَيْئَةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ].
الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: لَمْ يَكْتَفِ بِرَبْطِ الْجَزَاءِ بِالْعَمَلِ حَتَّى بَيَّنَ أَنَّ الْعَمَلَ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَا طَلَبُوا مِنْ تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ذَكَرَ الْإِخْرَاجَ مِنَ الدِّيَارِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ بَابِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الْإِجْمَالِ، فَالْهِجْرَةُ إِنَّمَا كَانَتْ وَتَكُونُ بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الدِّيَارِ، وَتَسْتَتْبِعُ مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا مِنَ الْإِيذَاءِ وَالْقِتَالِ، وَقُرِئَ (وَقُتِّلُوا) بِتَشْدِيدِ التَّاءِ لِلْمُبَالَغَةِ، فَمَنْ لَمْ يَحْتَمِلِ الْقَتْلَ بَلْ وَالتَّقْتِيلَ فِي سَبِيلِ اللهِ - تَعَالَى - وَيَبْذُلْ مُهْجَتَهُ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَلَا يَطْمَعَنَّ بِهَذِهِ الْمَثُوبَةِ الْمُؤَكَّدَةِ فِي قَوْلِهِ: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَبِيرَةِ الْوَادِرَةِ فِي صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [٤٩: ١٥] إلخ. وَقَوْلِهِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [٨: ٢] إلخ، وَقَوْلِهِ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [٢٣: ١، ٢] الْآيَاتِ، وَقَوْلِهِ: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [٢٥: ٦٣] الْآيَاتِ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا [٧٠: ١٩] الْآيَاتِ، وَقَوْلِهِ: وَالْعَصْرِ [١٠٣: ١] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ: هَكَذَا يَذْكُرُ اللهُ - تَعَالَى - صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُنَبِّهَنَا إِلَى أَنْ نَرْجِعَ إِلَى أَنْفُسِنَا وَنَمْتَحِنَهَا
بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ وَالصِّفَاتِ، فَإِنْ رَأَيْنَاهَا تَحْتَمِلُ الْإِيذَاءَ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى الْقَتْلَ فَلْنُبَشِّرْهَا بِالصِّدْقِ مِنْهَا، وَالرِّضْوَانِ مِنْهُ - تَعَالَى -، وَإِلَّا فَعَلَيْنَا أَنْ نَسْعَى لِتَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الَّتِي لَا يُنْجِي عِنْدَهُ غَيْرُهَا. وَإِنَّمَا كَلَّفَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ الْمُوقِنِينَ الْمُخْلِصِينَ هَذَا التَّكْلِيفَ الشَّاقَّ لِأَنَّ قِيَامَ الْحَقِّ مُرْتَبِطٌ بِهِ، وَإِنَّمَا سَعَادَتُهُمْ - مِنْ حَيْثُ هُمْ مُؤْمِنُونَ - بِقِيَامِ الْحَقِّ وَتَأْيِيدِهِ، وَالْحَقُّ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَمَكَانٍ مُحْتَاجٌ إِلَى أَهْلِهِ لِيَنْصُرُوهُ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ الَّذِينَ يُقَاوِمُونَهُ. وَالْحَقُّ وَالْبَاطِلُ يَتَصَارَعَانِ دَائِمًا، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حِزْبٌ يَنْصُرُهُ، فَيَجِبُ عَلَى أَنْصَارِ الْحَقِّ أَلَّا يَفْشَلُوا وَلَا يَنْهَزِمُوا، بَلْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا، وَيَصْبِرُوا، حَتَّى تَكُونَ كَلِمَتُهُ الْعُلْيَا، وَكَلِمَةُ الْبَاطِلِ هِيَ السُّفْلَى. (قَالَ) : وَانْظُرْ إِلَى حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ تَجِدُهُمْ يَتَعَلَّلُونَ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي أُنَاسٍ مَخْصُوصِينَ، كَأَنَّهُمْ يَتَرَقَّبُونَ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُمْ، وَيُعْطِيَهُمْ مَا وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومُوا بِعَمَلٍ مِمَّا أَمَرَ
بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَنْ يَتَّصِفُوا بِوَصْفٍ مِمَّا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُؤْمِنُونَ، وَمَا عَلَّقَ عَلَيْهِ وَعْدَهُ بِمَثُوبَتِهِمْ، بَلْ وَإِنِ اتَّصَفُوا بِضِدِّهِ وَهُوَ مَا تَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ، وَهَذَا مُنْتَهَى الْغُرُورِ.
وَأَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَجْتَمِعُ وَتَفْتَرِقُ، فَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ تَرَكَ وَطَنَهُ مُخْتَارًا، وَلَمْ يُخْرَجْ مِنْهُ إِخْرَاجًا، بَلْ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ هَاجَرَ مُسْتَخْفِيًا لِئَلَّا يَمْنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ. وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا أَمَرُوهُمْ بِالْهِجْرَةِ أَمْرًا، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ قَسْرًا، فَإِنَّهُمْ قَدْ ضَيَّقُوا عَلَيْهِمُ الْمَسَالِكَ حَتَّى أَلْجَئُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ أُوذِيَ وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْمُشْرِكُونَ، وَلَا مَكَّنُوهُ مِنَ الْخُرُوجِ. وَرَاجِعْ بَعْضَ الْكَلَامِ فِي إِيذَاءِ مُشْرِكِي مَكَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ص٢٥٤ وَمَا بَعْدَهَا ح٢ [ط الْهَيْئَةِ الْمِصْرِيَّةِ الْعَامَّةِ لِلْكِتَابِ] وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْهِجْرَةَ دَائِمَةٌ لَا تَنْقَطِعُ حَتَّى تُمْنَعَ التَّوْبَةُ أَيْ إِلَى قُبَيْلِ قِيَامِ السَّاعَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا فَقَدْ قَرَأَهُ حَمْزَةُ بِعَكْسِ التَّرْتِيبِ فِي اللَّفْظِ " وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا "، وَقَالُوا فِيهِ: إِنَّ الْوَاوَ لَا تُفِيدُ تَرْتِيبًا، وَلِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا هُمُ الْبَادِئِينَ، فَلَمَّا قُتِلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُنَاسٌ قَاتَلُوا الْكُفَّارَ. وَشَدَّدَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ تَاءَ " قُتِّلُوا " لِلْمُبَالَغَةِ كَمَا جَاءَ فِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقْتُلُونَ كُلَّ مَنْ قَدَرُوا عَلَى قَتْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ مِنْ قَرِيبٍ وَوَلِيٍّ. وَقَدْ رَاجَعْتُ بَعْدَ كِتَابَةِ مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرَ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا الَّذِينَ اخْتَارُوا الْمُهَاجَرَةَ مِنْ أَوْطَانِهِمْ فِي خِدْمَةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَالْمُرَادُ مِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمُ الَّذِينَ أَلْجَأَهُمُ الْكُفَّارُ إِلَى الْخُرُوجِ. وَلَا شَكَّ أَنْ رُتْبَةَ الْأَوَّلِينَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُمُ اخْتَارُوا خِدْمَةَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُلَازَمَتَهُ عَلَى الِاخْتِيَارِ، فَكَانُوا أَفْضَلَ. وَقَوْلُهُ: وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أَيْ مِنْ أَجْلِهِ وَسَبَبِهِ، وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لِأَنَّ الْمُقَاتَلَةَ تَكُونُ قَبْلَ الْقِتَالِ. قَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ
وَأَبُو عَمْرٍو: " وَقَاتَلُوا " بِالْأَلِفِ أَوَّلًا " وَقُتِلُوا " مُخَفَّفَةً، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ قَاتَلُوا مَعَهُ حَتَّى قُتِلُوا.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ عَامِرٍ (وَقَاتَلُوا) أَوَّلًا (وَقُتِّلُوا) مُشَدَّدَةً، قِيلَ: التَّشْدِيدُ لِلْمُبَالَغَةِ وَتَكَرُّرِ الْقَتْلِ فِيهِمْ كَقَوْلِهِ: مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ [٣٨: ٥٠] وَقِيلَ: قُطِّعُوا، عَنِ الْحَسَنِ.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ، والْكِسَائِيُّ (وَقُتِلُوا) بِغَيْرِ أَلِفٍ أَوَّلًا، (وَقَاتَلُوا) بِالْأَلِفِ بَعْدَهُ، وَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي
[٣: ٤٣] وَالثَّانِي عَلَى قَوْلِهِمْ: قُلْنَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. إِذَا ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْقَتْلِ أَوْ إِذَا قَتَلَ قَوْمَهُ وَعَشَائِرَهُ، وَالثَّالِثُ بِإِضْمَارِ قَدْ، أَيْ قُتِلُوا وَقَدْ قَاتَلُوا اهـ.
وَأَقُولُ: إِنَّ كَلِمَةَ وَقَاتَلُوا رُسِمَتْ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ بِغَيْرِ أَلِفٍ كَكَلِمَةِ وَقُتِلُوا وَالرَّازِيُّ لَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ قَرَأَ نَافِعٌ... " قَاتَلُوا " بِالْأَلِفِ: إِنَّ الْكَلِمَةَ رُسِمَتْ أَوْ تُرْسَمُ بِالْأَلِفِ فِي الْمُصْحَفِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلتَّوْضِيحِ، يَعْنِي قَرَءُوا بِالْفِعْلِ الْمُشْتَقِّ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ ; وَالْحِكْمَةُ فِي اخْتِلَافِ الْقِرَاءَاتِ هُنَا إِفَادَةُ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلَافِهَا، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَعْنَاهُ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأُدْخِلَنَّهُمُ الْجَنَّاتِ، أُثِيبُهُمْ بِذَلِكَ ثَوَابًا مِنَ النَّوْعِ الْعَالِي الْكَرِيمِ الَّذِي عِنْدَ اللهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَالثَّوَابُ: اسْمٌ مِنْ مَادَّةِ ثَابَ يَثُوبُ ثَوْبًا أَيْ رَجَعَ، يُقَالُ: تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ ثَابُوا إِلَيْهِ، وَفِي الْمَجَازِ ثَابَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ وَحِلْمُهُ إِذَا كَانَ خَرَجَ عَنْ مُقْتَضَى الْعَقْلِ، وَالْحِلْمِ بِنَحْوِ غَضَبٍ شَدِيدٍ ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ غَضَبُهُ، وَمِنْهُ جَعْلُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ مَثَابَةً لِلنَّاسِ، فَإِنَّهُمْ يَعُودُونَ إِلَيْهِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّاغِبُ: الثَّوَابُ مَا يَرْجِعُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْ جَزَاءِ أَعْمَالِهِ، فَيُسَمَّى الْجَزَاءُ ثَوَابًا تَصَوُّرًا أَنَّهُ هُوَ هُوَ، أَلَا تَرَى كَيْفَ جَعَلَ اللهُ - تَعَالَى - الْجَزَاءَ نَفْسَ الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [٩٩: ٧] وَلَمْ يَقُلْ جَزَاءَهُ. وَالثَّوَابُ يُقَالُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، لَكِنَّ الْأَكْثَرَ الْمُتَعَارَفَ فِي الْخَيْرِ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ انْتَهَى الْمُرَادُ.
وَأَقُولُ: إِنَّ لَفْظَ الثَّوَابِ وَالْمَثُوبَةِ حَيْثُ وَقَعَ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرِ الْجَزَاءِ بِالْعِبَارَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَيَّنَ الْعَمَلَ، كُلُّ ذَلِكَ يُؤَيِّدُ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي أَخَذْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا إِيضَاحَهَا، وَإِثْبَاتَهَا، وَكَرَّرْنَا الْقَوْلَ فِيهَا بِعِبَارَاتٍ، وَأَسَالِيبَ كَثِيرَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْجَزَاءَ أَثَرٌ طَبِيعِيٌّ لِلْعَمَلِ، أَيْ إِنَّ لِلْأَعْمَالِ تَأْثِيرًا فِي نَفْسِ الْعَامِلِ تُزَكِّيهَا فَتَكُونُ بِهَا مُنَعَّمَةً فِي الْآخِرَةِ، أَوْ تُدَسِّيهَا فَتَكُونُ مُعَذَّبَةً فِيهَا بِحَسَبِ سُنَّةِ اللهِ - تَعَالَى -، فَكَأَنَّ الْأَعْمَالَ نَفْسَهَا تَثُوبُ وَتَعُودُ، وَلَيْسَ - أَيِ الْجَزَاءُ - أَمْرًا وَضِيعًا كَجَزَاءِ الْحُكَّامِ بِحَسَبِ قَوَانِينِهِمْ، وَشَرَائِعِهِمْ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بَعْضُ الْمُدَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ - لَاسِيَّمَا الصُّوفِيَّةُ - كَالْغَزَالِيِّ وَمُحْيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبِيٍّ، وَإِذَا فَقِهَ النَّاسُ هَذَا الْمَعْنَى زَالَ غُرُورُهُمْ، وَلَمْ يَعْتَمِدُوا فِي أَمْرِ مَا يَرْجُونَ مِنْ نَعِيمِ
الْآخِرَةِ وَيَخْشَوْنَ مِنْ عَذَابِهَا إِلَّا عَلَى
مَا أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ كِتَابُ اللهِ - تَعَالَى - مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ دُونَ أَشْخَاصِ الصَّالِحِينَ، وَتَسْمِيَةِ أَنْفُسِهِمْ " مَحَاسِيبَ عَلَيْهِمْ "، وَدُعَائِهِمْ، وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِمْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْآيَةِ: " فِي الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ مَشْرُوطَةٌ بِهَذِهِ الْأُمُورِ (أَيِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَعَ الْمُهَاجَرَةِ، وَاحْتِمَالِ الْإِخْرَاجِ مِنَ الْوَطَنِ، وَالْإِيذَاءِ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ، وَالْخَيْرِ، وَالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ فِيهِ) فَلَمَّا كَانَ حُصُولُ هَذَا الشَّرْطِ عَزِيزًا كَانَ الشَّخْصُ الْمُجَابُ الدُّعَاءِ عَزِيزًا ".
وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَضِيعُ نَفْسُ الْعَمَلِ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ كُلَّمَا وُجِدَ تَلَاشَى وَفَنِيَ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَضِيعُ ثَوَابُ الْعَمَلِ، وَالْإِضَاعَةُ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ الْإِثَابَةِ، فَقَوْلُهُ: لَا أُضِيعُ نَفْيٌ لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إِثْبَاتًا، فَيَصِيرُ الْمَعْنَى: إِنِّي أُوصِلُ ثَوَابَ جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ إِلَيْكُمْ، إِذَا ثَبَتَ مَا قُلْنَا فَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَبْقَى فِي النَّارِ مُخَلَّدًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بِإِيمَانِهِ اسْتَحَقَّ ثَوَابًا، وَبِمَعْصِيَتِهِ اسْتَحَقَّ عِقَابًا، فَلَا بُدَّ مِنْ وُصُولِهِمَا إِلَيْهِ بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَالٌ. فَإِمَّا أَنْ يُقَدِّمَ الثَّوَابَ ثُمَّ يَنْقُلَهُ إِلَى الْعِقَابِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ يُقَدِّمَ الْعِقَابَ، ثُمَّ يَنْقُلَهُ إِلَى الثَّوَابِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ اهـ. وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْعَمَلَ تَلَاشَى وَفَنِيَ مَا عَلِمْتُ مِنْ قَاعِدَتِنَا الَّتِي نَبَّهْنَا عَلَيْهَا آنِفًا، فَنَقُولُ: إِنَّ حَرَكَةَ الْأَعْضَاءِ بِهِ فَنِيَتْ، وَلَكِنَّ صُورَتَهُ فِي النَّفْسِ بَقِيَتْ، فَكَانَتْ مَنْشَأَ الْجَزَاءِ، وَأَوْرَدَ الرَّازِيُّ نَفْسُهُ وَجْهًا آخَرَ فِي عَدَمِ إِضَاعَةِ الْعَمَلِ، وَهُوَ عَدَمُ إِضَاعَةِ الدُّعَاءِ، وَقَالَ بَعْدَ مَبَاحِثَ: ثُمَّ إِنَّهُ - تَعَالَى - وَعَدَ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:
أَوَّلُهَا: مَحْوُ السَّيِّئَاتِ، وَغُفْرَانُ الذُّنُوبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي طَلَبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا.
وَثَانِيهِمَا: إِعْطَاءُ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَهُوَ الَّذِي طَلَبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: وَآتِنًا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا الثَّوَابُ ثَوَابًا عَظِيمًا مَقْرُونًا بِالتَّعْظِيمِ، وَالْإِجْلَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مِنْ عِنْدِ اللهِ وَهُوَ الَّذِي قَالُوهُ: وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ; لِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - هُوَ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لِعَظَمَتِهِ، وَإِذَا قَالَ السُّلْطَانُ الْعَظِيمُ لِعَبْدِهِ: إِنِّي أَخْلَعُ عَلَيْكَ خِلْعَةً مِنْ عِنْدِي دَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِ تِلْكَ الْخِلْعَةِ فِي نِهَايَةِ الشَّرَفِ اهـ. وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَدَمَ الْخِزْيِ لَا يَدُلُّ
عَلَى مَا قَالَهُ فِي النَّعِيمِ الرُّوحَانِيِّ، وَكَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ هُنَا، وَمَا قَرَّرَهُ فِي الِاسْتِجَابَةِ مِنْ أَنَّهَا بِعَيْنِ مَا طَلَبُوا مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ وَقَدْ رَأَيْتَهُ.
ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى -: وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ.
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني