فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن
تفسير المفردات :
حاجوك : جادلوك، وأسلمت : أي أخلصت، والأميون مشركو العرب واحدهم أمي نسبوا إلى الأم لجهلهم كأنهم على الفطرة، البلاغ : أي التبليغ للناس.
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه جزاء المتقين، وشرح أوصافهم التي استحقوا بها هذا الجزاء- ذكر هنا أصول الإيمان وأسسه.
الإيضاح :
أي فإن جادلك أهل الكتاب أو غيرهم- وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو اليهود في المدينة إلى ترك ما أحدثوه في دينهم وتعودوه من التحريف والتأويل والرجوع إلى حقيقة الدين وإسلام الوجه لله والإخلاص له- بعد أن أقمت لهم البراهين والبينات، وجئتهم بالحق- فقل لهم : أقبلت بعبادتي على ربي مخلصا له، معرضا عما سواه، أنا ومن اتبعني من المؤمنين.
والخلاصة – إنه لا فائدة من الجدل مع مثل هؤلاء لأنه لا يكون إلا فيما فيه خفاء أما وقد قامت الأدلة، وبطلت شبهات الضالين فهو مكابرة وعناد، ولا يستحق منك إلا الإعراض وعدم إضاعة الوقت سدى.
وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ؟ أي وقل لليهود والنصارى ومشركي العرب- وخص هؤلاء بالذكر مع أن البعثة عامة، لأنهم هم الذين خوطبوا أولا بالدعوة- أأسلمتم كما أسلمت بعد أن وضحت لكم الحجة، وجاءكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه، أم تصرون على كفركم وعدم ترككم للعناد ؟
ومثل هذا مثل من يلخص مسألة لسائل، ولا يدع طريقا من طرق البيان إلا سلكه، ثم يقول له : أفهمتها ؟
وفي ذلك تعيير لهم بالبلادة وجمود القريحة وتوبيخ لهم على العناد وقلة الإنصاف فإن أسلموا فقد اهتدوا أي فإن أسلموا هذا الإسلام الذي هو روح الدين، فقد فازوا بالحظ الأوفر ونجوا من مهاوي الضلال، فإن إسلامهم على هذا الوجه يستتبع إتباعك فيما جئت به، لأن من هذه حاله فهو مستنير القلب متجه إلى طلب الحق، فهو أقرب الناس إلى قبوله متى لاح له وظهر.
وإن تولوا فإنما عليك البلاغ أي وإن أعرضوا عن الاعتراف بما سألتم عنه فلن يضيرك ذلك شيئا إذ ما عليك إلا البلاغ، وقد أديته على أتم وجه وكمله.
والله بصير بالعباد فهو أعلم بمن طمس على قلبه وجعل على بصره غشاوة، فوقع اليأس من اهتدائه، وبمن يرجى له الهداية والتوفيق بعد البلاغ.
تفسير المراغي
المراغي