ﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ

جميع ما يضاف إلى اللَّه أنه يفهم من غير الوجه الذي يضاف إلى لخلق؛ فمثله أمر الشهادة، واللَّه أعلم.
وروي عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: (شَهِدَ اللَّهُ) إلى قوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) على معنى جَعْلِ (أَنَّهُ) صِلَة في الكلام، وحقيقته: شهد اللَّه الذي لا إله إلا هو، والملائكة، ومن ذكر: أن الدِّين عند اللَّه الإسلام، والإسلام في -الحقيقة-: جعل كلية الأشياء لله له، لا شريك له فيها: في ملك، ولا إنشاء، ولا تقدير. والإيمان: التصديق بشهادة كلية الأشياء لله تعالى، بأنه ربها وخالقها على ما عليها، جل عن الشركاء.
وقد قيل: الإسلام: خضوع.
وقيل: الإخلاص، وهو يرجع إلى ما بيّنا، وذلك كقوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)، والإيمان: هو التصديق لله تعالى، بما أخبر أنه رب كل شيء، وأن له الخلق والأمر.
وقيل: هو التصديق بما جاءت به الرسل، وذلك يرجع إلى ما بينا أيضًا. واللَّه أعلم.
وقوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ): قيل: هو عادل لا يجور، لا أن للقيام معنى في ذلك؛ كقوله: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ)، بمعنى: كونوا عادلين مقسطين، والله أعلم.
وقيل: قيام تولٍّ وحفظ، أو كفاية وتدبير؛ كما يقال: فلان قائم بأمر كذا، لا على توهم انتصاب؛ وعلى ذلك قوله: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ).
وقوله: (فَإِنْ حَاجُّوكَ (٢٠)
ولم يقل: في ماذا يحاجوك؟ فيحتمل - واللَّه أعلم - أن يكون هذا. ما علم اللَّه أنهم لا يؤمنون ولا يقبلون الحجة - أمره بترك المحاخة بقوله: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ)؛

صفحة رقم 336

وكذلك: من اتبعني أسلموا أنفسهم لله؛ كقوله: (وَتَوَلَّى عَنْهُم) (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)، أيأسه عن إيمانهم، وأمره بترك المحاجة معهم.
وقوله: (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ):
أي: أخلصت.
ثم يحتمل قوله: (وَجْهِيَ لِلَّهِ)، أي: نفسي لله لا أشرك فيها أحدًا، ولا أجعل لغير الله فيها حقا، على ما جعل الكفار في أنفسهم شركاء وأربابًا.
قال الشيخ - رحمه اللَّه -: وقيل: الإسلام أن يجعل نفسه بكليتها لله - تعالى - سالمة، لا شركة فيها لأحد؛ كما قال: (وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)، والإيمان: هو التصديق لشهود الربوبية لله من نفسه وغيره؛ لأنه ما من شيء إلا وفيه شهادة الربوبية.
وقوله: (وَمَنِ اتَّبَعَنِ):
أي: ومن اتبع ديني، فقد أسلموا أنفسهم لله تعالى، أيضًا، لم يشركوا فيها شركاء وأربابًا.
ويحتمل قوله: (وَجْهِيَ لِلَّهِ)، أي: أسلمت أمر ديني وعملي للَّهِ؛ وكذلك من اتبعني واتبع ديني، فقد أسلموا أعمالهم وأمورهم لله؛ كقوله - أتعالى، -: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)، وفي حرف ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، " ومن اتبعني " أي: ومن معي.

صفحة رقم 337

وقوله: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ): قيل: الذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، والأميين: العرب الذين لا يقرءون الكتاب، ولا لهم كتاب.
(أَأَسْلَمْتُمْ) أنتم لله؛ كما أسلمت أنا وجهي لله، ومن اتبعني.
(فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا): وأخلصوا وجوههم لله وأعمالهم.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ): أي: فإن أبوا أن يسلموا فليس عليك إلا البلاغ كقوله - تعالى -: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) وكقوله: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ)، وكقوله: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).
وقوله: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ): هو حرف وعيد.
قيل: (بَصِيرٌ): غير غافل.
وقيل: بصير بجزاء أعمالهم.
وقيل: بصير بما أسروا وأعلنوا، وفي كل وجه وعد ووعيد.
قال الشيخ - رحمه اللَّه - في قوله: (فَإِنْ حَاجُّوكَ): ولم يبين في ماذا، فقد يجوز ترك الإخبار عن القصة بوجهين:
أحدهما: بعلم أهله.

صفحة رقم 338

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية