ومن مساوئ اليهود أيضا إعراضهم عن الحق إذا توجه إليهم، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى، فقال :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ * ذالِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
قلت : التنكير في نصيب ؛ يحتمل التحقير والتعظيم، والأول أقرب. وجملة : وهم معرضون ؛ حال من فريق ؛ لتخصيصه بالصفة.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ألم تر يا محمد، أو مَنْ تصح منه الرؤية، إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب وهم : اليهود، تمسكوا بشيء من التوراة، ولم يعملوا به كلّه، كيف يدعون إلى كتاب الله القرآن ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه من أمر التوحيد وصحة نبوته - عليه الصلاة والسلام، فأعرضوا عنه، أو المراد بكتاب الله : التوراة. قال ابن عباس رضي الله عنه :( دخل النبيّ صلى الله عليه وسلم على جماعة من اليهود، فَدَعاهُمْ إلى الله تعالى، فقال نُعَيْمُ بْنُ عَمِرْو والحَارِثُ بنُ زَيْد : على أيِّ دين أنْتَ يا مُحَمَّدُ ؟ قال :" على مِلَّةِ إبْرَاهِيم " قالا : إنَّ إبرَاهِيم كان يَهُودِيّاً، فقال لهما النبيّ صلى الله عليه وسلم :" فَهَلمُّوا إلى التَّوراةِ فهي بَيْنَنَا وبينكم " فأبَيا عليه، فنزلت الآية ). وقيل : نزلت في الرجم، على ما يأتي في العقود.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي