ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون [.. دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت ؛ ومعنى قوله نصيبا أي حظا وافرا من علم الكتاب يريد أحبار اليهود. و من إما للتبعيض وإما للبيان والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها.. ثم بين سبب التعجيب بقوله يدعون إلى كتاب الله وهو التوراة -كما مر-.. ولأنه تعالى عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم وإنما يتوجه التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته. وعن ابن عباس أنه القرآن وليس ببعيد، لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذف الثاني للعلم به أو يراد الحكم الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم.. ثم يتولى فريق منهم وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم، ومعنى : ثم استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي، وهم معرضون قوم لا يزال الإعراض ديدنهم وهجيراهم، والضمير في هم إما أن يرجع إلى الفريق، أي : هم جامعون بين التولي والإعراض، لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر المقامات. وإما أن يرجع على الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم. وإما أن يرجع إلى أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ؛ ذلك التولي والإعراض أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعه فقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب