٣٧ قوله تعالى : وكفلها زكريا :|آل عمران : ٣٧|
أصل في الحضانة، ومعنى كفلها زكرياء(١) أي ضمها إليه وقام بأمرها(٢) وقرئ وكفلها بالتشديد، زكرياء بالنصب، أي : أوجب كفالتها بالقرعة التي أخرجتها له. والآية أظهرها(٣) لخصومه فيها. وذلك أن زكرياء عليه السلام(٤) وخصومه فيها لما تنازعوا أيهم يكفلها تساهموا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل : بأقلام بروها كالقداح. وقيل بعصيّ لهم فرموا بها في نهر الأردن، فصعد(٥) قلم زكرياء بالجرية وانحدرت قداح الآخرين(٦). وقيل : أن أقلام القوم عامت(٧) على الماء معروضة كما تفعل العيدان وبقي قلم زكرياء موتدا(٨) واقفا كأنما ركز في طين، فكفلها زكرياء عليه السلام بهذا(٩) الاستهام ؛ فذلك قوله تعالى : وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم (١٠) الآية [ آل عمران : ٤٤ ]، وكان زكرياء قد قال لهم : أنا أحق بها منكم ؛ لأن عندي أختها أو خالتها(١١) على اختلاف في ذلك ؛ لأنه قيل : إن زوجته أم يحيى كانت خالة مريم وقيل : أختها فحكم الله تعالى بها لزكرياء لموضع أختها أو خالتها وعلى هذا شرعنا ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة(١٢) (١٣) لجعفر بن أبي طالب(١٤) إذ تنازع(١٥) علي بن أبي طالب وجعفر وزيد بن حارثة فقال علي : هي (١٦) ابنة عمي، وعندي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا أحق بها.
وقال جعفر(١٧) : هي ابنة عمي وعندي خالتها، فأنا أحق بها. وقال زيد بن حارثة(١٨) : هي ابنة أخي، وتجشمت(١٩) لها السفر. وكان قد خرج إليها(٢٠) حين أصيب حمزة فأقدمها. وعلى هذا مذهبنا أن الحاضنة إذا كان زوجها وليا من أولياء المحضون فهي أحق به من سائر الأولياء، وإن كان زوجها أبعد منهم، إلا على مذهب ابن وهب في أن الزوج يسقط حضانة الحاضنة(٢١)، وإن كان ذا رحم(٢٢) من المحضون.
اختلف في السبب الذي كفلها له زكرياء، فالأصح أنها كانت يتيمة توفيت(٢٣) أمها وتركتها صغيرة.
وذكر قتادة وغيره : أنهم كانوا يتشاءمون في ذلك الزمان في المحرر عند من يكون من القائمين بأمر المسجد، فيتساهمون(٢٤) عليه، وأنهم فعلوا ذلك في مريم.
وقال ابن إسحاق (٢٥) : إنها لما ترعرعت(٢٦) أصابت بني إسرائيل مجاعة فقال لهم زكرياء : قد(٢٧) عجزن عن إنفاق مريم فاقترعوا على من يكفلها ففعلوا، فخرج السهم على رجل يقال له : جريج، فجعل ينفق عليها وحينئذ(٢٨)، كان زكرياء يدخل عليها المحراب عند جريج فيجد عندها الرزق.
٢ في (هـ): "بهـا"..
٣ في (هـ): "أخرجهـا"..
٤ "عليه السلام" كلمة ساقطة في (ج) و(هـ)..
٥ في (أ) و(ج) و(هـ): "فصاعد"؛ وفي (ب) و(د): "فصمر"..
٦ في (ب): "الأخرى"..
٧ في (ج) :"أقوام القوم علقت"..
٨ في (ب) و(ج) و(د):"مرتدا"؛ وفي (هـ): "ممتدا" والقصة ذكرهـا صاحب الكشاف ج١، ٣٥٧..
٩ في (هـ):"بذلك بذلك"..
١٠ في (غير (ب) و(ج) و(هـ) سقوط "يكفل مريم"..
١١ في (هـ): "وخالتهـا"..
١٢ هـو حمزة بن عبد المطلب بن هـاشم، أبو عمارة، من قريش، عن النبي صلى الله عليه وسلم وأحد صناديد قريش وساداتهـم في الجاهـلية والإسلام، أسلم وهـاجر مع النبي إلى المدينة، وحضر وقعة بدر وغيرهـا. وقال المدني: أول لواء عقده رسول الله كان لحمزة، وكان شعار حمزة في الحرب ريشة نعامة يضعهـا على صدره ولما كان يوم بدر قاتل بسيفين وفعل الأفاعيل وقتل يوم أحد فدفنه المسلمون في المدينة. الأعلام: ج ٢، ص ٣١٠..
١٣ انظر صحيح البخاري، كتاب الصلح، الباب السادس، ج ٣، ص ١٨، وكذلك في كتاب المغازي، الباب ٤٣، ج ٥، ص ٨٥، وانظر أيضا أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، الباب ٣٥، من أحق بالولد، ج ٢، ص ٧٠٨ – ٧٠٩..
١٤ قوله: "ابن أبي طالب" ساقط في (ب) و(هـ)..
١٥ في (ج) و(د): "تنازعا"، والصواب ما أثبتناه..
١٦ في (ج) و(د): "معي"..
١٧ هـو جعفر بن أبي طالب عبد مناف ابن عبد المطلب بن هـاشم صحابي هـاشمي من شجعانهـم، يقال له جعفر الطيار وهـو أخو علي بن أبي طالب... وهـو من السابقين إلى الإسلام هـاجر إلى الحبشة في الهـجرة الثانية ولم يزل هـناك إلى أن هـاجر النبي إلى المدينة فقدم عليه جعفر وهـو بخيبر سنة ٧ هـ، وحضر وقعة مؤتة بالبلقاء (من أرض الشام)، فنزل عن فرسه وقاتل ثم حمل الراية وتقدم صفوف المسلمين فقطعت يمناه فحمل الراية باليسرى فقطعت أيضا، فاحتضن الراية إلى صدره، وصبر حتى وقع شهـيدا فقيل: إن الله عوضه عن يديه جناحين في الجنة. الأعلام: ج ٢، ص ١١٨..
١٨ قوله: "ابن حارثة" ساقط في (هـ)..
١٩ في (ج) و(د): "تخشعت"، والصواب ما أثبتناه..
٢٠ في (أ) و(ب) و(ج) و(د) و(هـ): "عنهـا"..
٢١ في غير (هـ): "الحاضن"..
٢٢ "رحم" ساقط على (هـ).
٢٣ في غير (هـ): "فتوفيت"..
٢٤ في (د): "يتساهـمون" بسقوط "الفاء"..
٢٥ هـو محمد بن إسحاق بن يسار ابن خيار أبو بكر المدني صاحب المغازي، روى عن أبيه وقتادة والزهـري وابن المنكدر والنخعي وعطاء وغيره. اختلف في تاريخ وفاته بين ١٥١ هـ / ٧٦٨م، وسنة ١٥٣هـ / ٧٧٠م. انظر: تهـذيب ج ٩، ص ٣٨ - ٤٦..
٢٦ قوله: "ترعرعت" كلمة ساقطة في (ب)، وفي (د) "تحررت"..
٢٧ في (و): "عن"..
٢٨ في (ب) و(ج) و(هـ): "ح"..
أحكام القرآن
ابن الفرس