ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕ

بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِأُصْبُعَيْهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ، فَطَعَنَ في الحِجابِ" (١).
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧).
[٣٧] فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا أي: قبلَ مريمَ من حَنَّةَ.
بِقَبُولٍ أي: بأمرٍ ذي قَبولٍ.
حَسَنٍ وأَصْلُ القَبول: الرِّضا؛ أي: سلكَ بها سبيلَ السُّعداء.
وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا سَوَّى خَلْقَها، فكانت تنبُتُ في اليوم ما ينبتُ المولود في عامٍ، ولما وضعَتْها أُمُّها حملَتْها وأَتَتْ بها إلى المسجدِ، ووضعَتها عندَ الأحبارِ وهُمْ يَلُونَ من بيتِ المقدس ما يلي الحَجَبَةُ من الكعبةِ، وقالَتْ: دونَكُم هذهِ المنذورةَ، فتنافَسوا فيها؛ لأن أباها كانَ من أَئِمَّتِهم، فقال زكريا: أنا أحقُّ بها؛ لأن خالتَها زوجتي، فقالوا: لا حتى نقترعَ، فَقَرَعَهم زكريَّا، وأخذها (٢)، فذلك قولُه تعالى:
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا أي: ضَمَّها إليه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كَثيرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (وَكَفَلَهَا) بتخفيف الفاء (زَكَرِيَّاءُ) بالرفعُ

(١) رواه البخاري (٣١١٢)، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٣٤٥).

صفحة رقم 444

على أنه فاعلُ (وكَفَلَها)، وقرأ عاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَكَفَّلَهَا) بتشديدِ الفاء؛ أي: جعلَهُ اللهُ كافِلًا لها، فأبو بكرٍ عن عاصمٍ ينصبُ الهمزةَ مع التشديدِ على أنه مفعولٌ به، وبقيةُ الكوفيين يقرؤون (زَكَرِيَّا) مقصورًا بغيرِ همزٍ حيثُ وقعَ (١). فلما ضَمَّها زكريّا، بَنَى لها غرفةً في المسجد، وانقطعت في تلكَ الغرفةِ للعبادةِ، وكان لا يدخلُ على مريم غيرُ زكريا فقط، وكان كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا وهو ابنُ آدن بنِ مسلمِ بنِ صدوق من أولادِ سليمانَ بنِ داود عليه السلام، عاشَ أكثرَ من مئةِ سنةٍ، وقتلَهُ اليهودُ لعنةُ الله عليهم؛ لأنه لما وَلدتْ مريمُ المسيحَ من غيرِ بعلٍ، وقعَ اليهودُ في حَقِّهِ بما لا يليقُ ذكرُه، وطلبوه، فهربَ واختفى في شجرةٍ عظيمةٍ، فقطعوا الشجرةَ، وقطعوا زكريّا مَعها، وكان ذلكَ بعدَ ولادةِ المسيحِ بقليلٍ وقبره بذيلِ جبلِ طور زيتا بمقابرِ الأنبياءِ ببيتِ المقدس، وقيل: بقرية سبسطية من أرض نابلس، وقيلَ: بجامعِ دمشقَ، وبينَ وفاتِه والهجرةِ الشريفةِ الإسلاميةِ سِتُّ مئةٍ ونحو ثلاثينَ سنةً.
الْمِحْرَابَ أي: الغرفةَ، والمحرابُ: أشرفُ المجالسِ، فكأنها وُضِعَتْ في أشرفِ مكانٍ من المسجدِ، وكان زكريا إذا خرجَ يغلِقُ عليها سبعةَ أبوابٍ، فإذا دخل عليها.

(١) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (١/ ٣٢٦)، و"الحجة" لأبي زرعة (ص: ١٦١)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٠٤)، و"الحجة" لابن خالويه (ص: ١٠٨)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٤١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٤ - ٢٥).

صفحة رقم 445

فتح الرحمن في تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي

تحقيق

نور الدين طالب

الناشر دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ)
سنة النشر 1430 - 2009
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 7
التصنيف التفسير
اللغة العربية