فتقبلها ربها بقبول حسن
تفسير المفردات :
وتقبل الشيء وقبله : أي رضيه لنفسه،
وأنبتها : أي رباها بما يصلح أحوالها،
وكفلها زكريا : أي وجعل زكريا كافلا لها، وزكريا من ولد سليمان بن داود عليهما السلام،
والمحراب هنا هو المسمى عند أهل الكتاب بالمذبح وهو مقصورة في مقدم العبد لها باب يصعد إليه بسلم ذي درج قليلة يكون من فيه محجوبا عمن في المعبد،
أنى لك هذا : أي من أين لك هذا والأيام أيام قحط وجذب،
بغير حساب : أي بغير عد ولا إحصاء لكثرته.
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه أن الدين الحق هو الإسلام والتوحيد، وأن اختلاف أهل الكتاب فيه إنما هو للبغي والحسد، وأن الفوز والفلاح منوط بإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته- ذكر هنا من أحبهم واصطفاهم وجعل منهم الرسل الذين يبينون للناس طريق محبته وهي الإيمان به مع طاعته والعمل بما يرضيه.
الإيضاح :
أي فتقبل مريم من أمها ورضي أن تكون محررة للعبادة وخدمة بيته على صغرها وأنوثتها، وكان التحرير لا يجوز إلا لغلام عاقل قادر على خدمة البيت.
وأنبتها نباتا حسنا أي رباها ونماها بما يصلح أحوالها كما يربي النبات في الأرض الصالحة بعد تعهد الزراع إياه بالسقي وقلع ما يضعفه من النبات الطفيلي.
وهذه التربية تشمل التربية الروحية والجسدية، فقد نمى جسدها فكانت خير لذاتها جسما وقوة، كما نماها صلاحا وعفة وسداد رأي.
وكفلها زكريا أي جعله كافلا لمصالحها وقائما بشؤونها.
كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا أي كلما دخل زكريا محرابها وجد ألوانا من الطعام لم تكن توجد في مثل تلك الأحيان.
وروى أنه كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وليس لدينا مستند صحيح من كتاب أو سنة يؤيد هذه الروايات الإسرائيلية.
قال يا مريم أنى لك هذا ؟ أي قال من أين لك هذا والأيام أيام جدب وقحط.
قالت هو من عند الله الذي يرزق الناس جميعا بتسخير بعضهم لبعض، وقد جرى العرف في كل زمان بإضافة الرزق إلى الله، وليس في هذا دلالة على أنه من خوارق العادات.
وسيق هذا القصص لتقرير نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ودحض شبه أهل الكتاب الذين احتكروا فضل الله وجعلوه خاصا بشعب إسرائيل، ودحض شبهة المشركين الذين أنكروها لأنه بشر.
وبيان هذا أن الله اصطفى آدم وسخر له ما في الأرض من حيوان ونبات وجماد، واصطفى نوحا وجعله أبا البشر الثاني، واصطفى إبراهيم وآله على البشر، والعرب وأهل الكتاب يعرفون ذلك، والأولون يفخرون بأنهم من ولد إسماعيل وعلى ملة إبراهيم، والآخرون يفخرون باصطفاء آل عمران من بني إسرائيل حفيد إبراهيم، وهؤلاء وأولئك يعلمون أنه اصطفى هؤلاء بمحض مشيئته تفضلا منه وإحسانا، وإذا فما الذي يمنع من أن يصطفي محمدا صلى الله عليه وسلم على العالمين كما اصطفى أولئك ؛ فالله يصطفي من خلقه من يشاء، وقد اصطفاه وجعله هاديا للناس مخرجا لهم من ظلمات الشرك والجهل إلى نور الحق واليقين، ولم يكن أثر غيره من آل إبراهيم وآل عمران في الهداية أظهر من أثره.
تفسير المراغي
المراغي