ولما تمت البشارة بعيسى عليه السلام وظهر إلى الدنيا، وبلغ وقت الدعوة، بعثه الله إلى بني إسرائيل، فكفروا به، فلما تحقق كفرهم طلب من ينصره إلى الله، كما أشار الحق تعالى إلى ذلك بقوله :
فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
قلت : من أنصاري إلى الله : الجار يتعلق بحال محذوفة، أي : ذاهباً إلى الله إلى نَصْر دينه، أو مُضيفاً نفسه إلى الله، أو ملتجئاً إلى الله، أو يتعلق ب أنصاري ؛ مضمِّناً معنى الإضافة، أي : من يضيف نفسه إلى الله في نصره. وحواري الرجل : خاصته، الذين يستعين بهم في نوائبه، وفي الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام- :" لكلِّ نبي حَوَاري، وحَوارِيي، الزُّبَيْر ". وحواريو عيسى : أصحابه الذين نصروه، وسموا بذلك لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم. والحَوَرُ : البياض الخالص، وكل شيء بيَّضته فقد حوَّرْته، ويقال للبيضاء من النساء : حوارية. وقيل : كان الحواريون قًصَّارين١، يُحَوِّرُون الثياب، أي : يبيضونها، وقيل : كانوا ملوكاً يلبسون البياض.
يقول الحقّ جلّ جلاله : فلما أحس عيسى من بني إسرائيل الكفر ، وتحققه تَحَقُّقَ ما يدرك بالحواس، بعدما بُعث إليهم، وأرادوا قتله، فرَّ منهم واستنصر عليهم، و قال من أنصاري ملجئاً إلى الله ، أو ذاهباً إلى نصر دينه، قال الحواريون نحن أنصار الله أي : أنصار دينه،
آمنا بالله واشهد علينا بأننا مسلمون ؛ لتشهد لنا يوم القيامة، حين يشهد الرسل لقومهم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي