ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ

الآية ٥٢ وقوله تعالى : فلما أحس عيسى منهم الكفر رأى، وهو كقوله : هل تحس منهم من أحد [ مريم : ٩٨ ] وقيل : أحس أي وجد، وهو قول الكسائي، وقيل : عرف : وهو كله واحد.
ثم قوله : فلما أحس عيسى منهم الكفر يحتمل، والله أعلم، أن قومه لما سألوه أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء [ المائدة : ١١٢ ] تكون لهم آية لرسالته وصدقه، ففعل الله جل وعلا ذلك، وأنزل عليهم المائدة، ثم أخبر أن من يكفر١ منهم بعد إنزال المائدة يعذبه عذابا لا يعذبه أحدا٢، فكفروا به، فعلم أن العذاب ينزل عليهم، فأحب أن يخرج بمن آمن به لئلا يأخذهم العذاب، فقال :
قال من أنصاري إلى الله يؤيد ذلك قوله : فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم الآية [ الصف : ١٤ ]، ويحتمل أن يكونوا أظهروا الإسلام له، وكانوا في الحقيقة على خلاف ذلك، فلما علم ذلك منهم، وقد هموا بقتله٣ قال عند ذلك : من أنصاري إلى الله أحب أن يكون معه أنصار إلى٤ الله ينصرونه، فيظهر المؤمنون من غيرهم، فنصرهم الله على أعدائهم، ليظهر المؤمنين٥ من غيرهم، وهو قوله : فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين [ الصف : ١٤ ].
ومن الناس من يقول : إنه لم يكن في سنة عيسى عليه السلام الأمر بالقتال، وفي الآية إشارة إلى ذلك بقوله : فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين [ الصف : ١٤ ] أخبر أنهم أصبحوا ظاهرين على عدوهم فلا يخلو إما أن يكون قتالا وإما غلبة بحجة أو شيء مما يقهرهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : قال الحواريون نحن أنصار الله اختلف في الحواريين : قال بعضهم : هم القصارون الغسالون الثياب ومبيضوها. وعن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ]٦ قال :( إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم، وكانوا يصيدون السمك ) وقيل : الحواري الوزير والناصر والخاص على ما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أن لكل نبي حواريين، وحواري فلان وفلان ) [ البخاري ٢٨٤٦ ] وذكر نفرا من الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وإنما أراد٧، والله اعلم، الناصر والوزير. ويحتمل أن يكونوا سموا بذلك لصفاء قلوبهم، وهم أصفياء عيسى رضي الله عنه كذلك روي عن ابن عباس رضي الله عنه والله أعلم بهم.
وقوله تعالى : نحن أنصار الله ؛ إن الله تعالى عن أن ينصر، ولكن يحتمل نحن أنصار الله أي أنصار دين الله وأنصار نبيه أو أنصار أوليائه تعظيما، وكذلك قوله : إن تنصروا الله ينصركم [ محمد : ٧ ] [ إن الله لا ينصر ]٨ ولكن ينصر دينه أو رسله أو أولياؤه، وهو كقوله : يخادعون الله [ البقرة : ٩ ] إنه٩ لا يخادع، ولا يمكن [ أن يخادع ]١٠ ولكن لما خادعوا أولياءه أو دينه أضاف ذلك إلى نفسه. فعلى ذلك لما نصروا دين الله ونبيه ووليه أضافه١١ إلى نفسه.
وقوله تعالى : آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون الآية تنقض من يجعل الإيمان غير الإسلام لأنهم أخبروا أنهم آمنوا وأنهم مسلمون، لم يفرقوا بينهما /٦٠-أ/، وكذلك قوله : فأخرجنا من كل فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين [ الذاريات : ٣٥ و ٣٦ ] لم يفصل بينهما، وجعلهما واحدا، وكذلك قول موسى لقومه : يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين [ يونس : ٨٤ ] لم يجعل بين الإيمان والإسلام فرقا، وهو قوله : إن العمل فيهما واحد، لأن الإيمان بأن تصدق بأنك عبد الله، والإسلام هو١٢ أن تجعل نفسك لله سالما، وقيل : الإيمان اسم [ ما ]١٣ بطن، والإسلام اسم ما ظهر. ألا ترى أنه جاز في الإسلام الشهادة وفي الإيمان
[ التصديق ]١٤ ؟

١ في الأصل وم: كفر..
٢ إشارة إلى قوله تعالى: قال الله إني منزلها غذعليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين بالمائدة: ١١٥]..
٣ في الأصل وم: على قتله..
٤ في الأصل وم: مع..
٥ في الأصل وم: المؤمنون..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ من م، في الأصل: أرادوا..
٨ من م..
٩ من م، في الأصل: أن..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم: أضاف..
١٢ في الأصل وم: و..
١٣ من م..
١٤ من م..

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية