ثم أكد صدق هذا القصص فقال : الحق من ربك .
تفسير المفردات :
الامتراء : الشك.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف قصص عيسى وأمه وما جاء به، وكفر بعض قومه به، ورميهم أمه بالزنا، وإيمان بعض آخر به.
أردف ذلك ذكر حال فريق ثالث لم يكفر به، ولم يؤمن به إيمانا صحيحا، بل افتتن به افتتانا، لكونه ولد من غير أب، فزعم أن معنى كونه
كلمة الله وروح الله أن الله حل في أمه، وأن كلمة الله تجسدت فيه فصار إنسانا وإلها، فضرب مثلا ليرد به على الفريقين الكافرين به من اليهود، والمفتونين به من النصارى.
فبين أن خلق آدم أعجب من خلق عيسى فهذا خلق من حيوان من نوعه، وذاك قد خلق من التراب فهو أولى بالمزية إن كانت، والإنكار إن صح الإنكار.
وأمر الخلقة غريب بالنسبة إلينا، لكنه ليس بالغريب بالنسبة إلى الصانع المبدع.
والقوانين المعروفة في الخلق قد استخرجت مما نعهد ونشاهد، وليست بالقوانين العقلية التي قامت البراهين على استحالة ما عداها.
وإنا لنشاهد كل يوم ما يخالفها كالحيوان التي توجد من غير جنسها، أو الحيوان ذوات الأعضاء الزائدة، ويعبرون عن ذلك بفلتات الطبيعة، ولعل لهذه الشواذ وتلك الفلتات سننا أخرى مطردة لم تظهر لنا.
وهكذا شأن خلق عيسى، فكونه على غير السنن المعروفة لا يقتضي تفضيله على غيره من الأنبياء بله أن يكون إلها.
وقد روي في سبب نزول الآية أن وفد نجران من النصارى قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك تشتم صاحبنا ؟ قال وما أقول، قالوا تقول إنه عبد الله قال أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا وقالوا هل رأيت إنسانا من غير أب ؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله فأنزل الله الآية.
الإيضاح : أي هذا الذي أنبأتك به من شأن عيسى ومريم هو الحق، لا ما اعتقده النصارى في المسيح من أنه إله، ولا ما زعمه اليهود من رمي مريم بيوسف النجار.
فلا تكونن من الممترين أي فلا تشكن في أمرها بعد أن جاءك العلم اليقيني به. وتوجيه هذا النهي للنبي صلى الله عليه وسلم مع استحالة وقوع الامتراء منه ذو فائدة من وجهين :
١ أنه إذا سمع صلى الله عليه وسلم مثل هذا الخطاب ازداد رغبة في الثبات على اليقين واطمئنان النفس.
٢ أنه إذا سمعه غيره ازدجر ونزع عما يورث الامتراء، إذ أنه صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره خوطب بمثل هذا فما بالك بغيره ؟
وخلاصة ذلك- دم على يقينك وعلى ما أنت عليه من الاطمئنان إلى الحق، والتنزه عن الشك فيه.
تفسير المراغي
المراغي