قوله وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ الآية.
قال المبرد: فيها تقديم وتأخير، وتقديرها عنده: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى مثلما أوتيتم أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله
وقيل تقديرها: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم إلا لمن تبع [دينكم] واللام زائدة.
ومعنى ذلك أنهم قالوا لضعفائهم: لا تصدقوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم من علم ورسالة وشرف، إلا لمن تبع دينكم، فصدقوا أن يؤتى مثلما أوتيتم.
وقيل معناها على هذا التقدير: ولا تصدقوا أن تكون الرسالة إلا فيكم. وقيل: تقديرها قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم أي كراهة أن يؤتى كأنه بعد أن يؤتى اليهود مثلما أوتي المؤمنون، فتكون على هذا المخاطبة للنبي ﷺ وأمته.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وعيسى بن عمرو، وابن كثير أن يؤتى بالاستفهام معناه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا يؤمنون؟ مثل أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين [القلم: ١٤ - ١٥] أي: من أجل هذا قال كذا وكذا.
وقرأ الأعمش (إن يؤتي بكسر إن فجعلها بمعنى " ما " على معنى ما يؤنى أحد مثلما أوتيتم.
وقد زعم قوم أنه لحن لحذف النون من يحاجوكم وليس هو لحن عند أهل النظر لأن (أن) تضمر مع أو، فهي مضمرة ناصبة للفعل، ومن جعل في الكلام تقديماً
وتأخيراً فاللام زائدة، ومن في موضع نصب استثناء ليس من الأول.
ومن قدر الآية على وجهها، ولم يقدر تقديماً ولا تأخيراً جعل اللام أيضاً زائدة أو متعلقة بمصدر، كأنه: لا تجعل تصديقكم إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد.
وقال الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله " دينكم " ثم قال لمحمد ﷺ: قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله أي: البيان بيان الله أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ، أو: لا يؤتى أحد، " وإن عنده بمعنى لا، ولذلك دخلت " أحد " في الكلام هنده.
وقوله: إِنَّ الهدى هُدَى معناه: الهدى إلى الخير بيد الله يؤتيه من يشاء، فلا تتنكروا أيها اليهود أن يؤتى أحد سواكم مثلما أوتيتم، فإن أنكروا وهو معنى " يحاجوكم عند ربكم " فقل يا محمد: إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ.
وقال الأخفش: أَوْ يُحَآجُّوكُمْ معطوف على تؤمنوا معناه ولا تصدقوا أن يحاجوكم، أي: قالت اليهود لضعفائها: لا تصدقوا بأن يحتجوكم أحد عند ربكم فيما أنكرتم من نبوة محمد ﷺ.
وقال الفراء: أو بمعنى حتى (و) إلا: أن.
وقال مجاهد: قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله اعتراض في الكلام وسائر الكلام متصل. فالأول خبر عن اليهود ومعناه وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أتيتم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم، أي: ليس يحاجوكم أحد عند ربكم ثم قال تعالى بعد ذلك: قل يا محمد: إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ.
وقوله أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ.
قيل: هو إخبار عما قالت اليهود لضعفائها، أي: لا تكون النبوة إلا فيكم.
وقيل معناه: لا يكون العلم والشرف إلا فيكم.
وقيل: هو إخبار من الله تعالى للنبي ﷺ معناه: لا يؤتي أحد من الأمم مثلما أوتيت يا محمد وأمتك من الإسلام والهدى، وهذا قول السدي.
ومعنى: أَوْ يُحَآجُّوكُمْ إلا أن يحاجوكم، وهذا التأويل لا اعتراض فيه، ولا تقديم ولا تأخير، وأن في موضع رفع خبر عن الهدى، والتأويل الأول يقع فيه التقديم والتأخير وأن في موضع نصب على ما ذكرنا، وذلك حسداً، قالوا لضعفائهم من
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي